فهرس الكتاب
ولعل الدليل الذي ساقه ابن حزم في سياق رده على مخالفيه ممن ذهب إلى كون الأمر غير مفيد للوجوب بالإلزام المطلق، يوضح ما ذهبنا إليه سلفًا ؛ فبعد أن ساق قوله تعالى: { اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرِْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ } (التوبة /84) ، وما ارتبط بهذه الآية من موقف نبوي بالصلاة على المنافقين والاستغفار لهم بعد السبعين، ثم نزول قوله تعالى: { وَلاَ تُصَلِ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } يقول: "... في هذا لحديث بيان كاف في حمل كل شيء على ظاهره، فحمل رسول الله اللفظ الوارد بالاستغفار على التخيير، فلما جاء النهي المجرد حمله على الوجوب، وصح بهذا أن لفظ الأمر والنهي غير لفظ التخيير والندب، ورسول الله (ص) أعلم الناس بلغة العرب التي بها خاطبه ربه تعالى" (1) ."
ويمكن في هذا الإطار أن نشير إلى المنهج الذي يسلكه ابن حزم في الأخذ بدلالتي الأمر والنهي، فهو لا يكتفي بظاهر الصيغة، بل يأخذ بظاهر اللفظ الذي صيغ على هذه الصيغة، ولا يفسر تبعًا لذلك الألفاظ إلا بالدلالات اللغوية عليها (2) .
العلاقة الدلالية بين الأمر والنهي:
(1) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 18. وقد فسر عمر بن الخطاب (ض) هذه الآية التفسير ذاته الذي قدمه ابن حزم لها، انظر أبو زهرة، ابن حزم، ص 383 .
(2) - أبو زهرة، ابن حزم، ص 386. ويذكر ابن حزم ردا على بكر البشري الذي نسب ضلال الخوارج لأتباعهم الظاهر أنهم ضلوا لما أخذوا ببعض الآيات وتركوا بعضها الآخر الذي هو بيان لما أخذوا به، ولو جعلوه كله لازما وحكما واحدا متبعا كله لاهتدوا، ابن حزم، الإحكام، 03 / 40 .