فهرس الكتاب
ومن صور اختلاف العلماء في باب الاستثناء، الاختلاف في بعض أدواته، فقد ذهب ابن مضاء مذهب الكوفيين في عده لا سيما من أدواته، يقول السيوطي: عد الكوفيون جماعة من البصريين كالأخفش وأبي تمام والفارسي والنحاس وابن مضاء من أدوات الاستثناء لا سيما، ووجهه قام القوم لا سيما زيد، فقد خالفهم زيد في أنه أولى بالقيام منهم، فهو مخالفهم في الحكم الذي ثبت لهم بطريقة الأولوية، قال الخضراوي: لما كان ما بعدها بعضًا مما قبلها وخارجًا عنه بمعنى الزيادة، كان استثناء من الأول؛ لأنه خرج عنه بوجه لم يكن له" (1) ويقرر القرافي بأن الاستثناء يدل على حكم ما قبل إلا بمنطوقه، وعلى ما بعدها بمفهومه أي بمقتضى العقل الدال على أن إخراج إلا لما بعدها عما قبلها، يلزمه دخوله فيما هو نقيض ما حكم به عليه، فيتعين الدخول في النفي إن كان الخروج من الإثبات المدلول عليه بوضع اللغة، أو الدخول في الإثبات إن كان الخروج من النفي المدلول عليه بوضع اللغة. فالدلالة على حكم ما بعد إلا من باب دلالة اللفظ على لازم مسماه، لا من باب دلالة اللفظ على مسماه (2) ، وثمة مسألة مفادها إمكان ارتداد الاستثناء إلى بعض المعطوفات دون الأخرى، أو عودته عليها جميعًا، والمعول في إثبات الحكم الأول على النص المبين، فإن لم يرد نص فليس رد الاستثناء على بعضها أولى من رده على سائرها (3) . كما أن كل الألفاظ المعطوفة جمعت عن طريق العطف في حكم اللفظة الواحدة، ولا معنى لعلاقة القرب بين المستثنى وأدنى مذكور من المعطوفات (4) ، ومثاله قوله تعالى: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَقُوا } (النساء / 92 ) . فالاستثناء مردود إلى الأهل، ولولا ذاك لسقطت به
(1) - السيوطي، همع الهوامع، 01 / 234 .
(2) - القرافي، الاستغناء، ص 568 .
(3) - ابن حزم، الإحكام، 01 / 21 .
(4) - ابن حزم، الإحكام، 01 / 22 و 23 .