فهرس الكتاب
يعرف العقاد ظاهرة النبوة بأنها ظاهرة نفسية وروحية، تطورت عبر التاريخ الإنساني، وارتبطت في القديم بالنبوءة والتطلع لمعرفة الغيب، فكثر الكهان، وتحددت وظيفة الرائي في المجتمعات القديمة، وفي مقدمتها العبرية، وكان الرائي رجلًا يخالف في طباعه وكلامه الناس، حتى قيل إنه ينطق به كائن روحاني، يتقمصه في صورة صرع (1) . وتكاثر المتنبئون والكهان في بيئة بني إسرائيل، وأنشئت مدارس في أماكن متعددة في بلاد الشام يتعلم فيها الأنبياء تفسير التوراة والموسيقى والشعر، فكان جلهم من بني إسرائيل شعراء يترنمون، ويلعبون على آلات الطرب (2) . وفي تاريخ التفكير الإسلامي، نجد اختلافًا منهجيًا في النظر إلى الظاهرة. فالمتكلمون من المعتزلة اعتبروها من شمولات الحكم العقلي بالوجوب أو بالإمكان (3) . وأما الطائفة الثانية، التي يمثلها من المتأخرين ابن خلدون، فتحاول تحليل ظاهرة النبوة بمنهج علمي استقرائي، ينطلق من الإقرار بالظاهرة نفسها، من حيث الاستعداد النفسي عند بعض الأفراد لإدراك الغيبيات يقول: وصنف مفطور على الانسلاخ من البشرية بجملة جسمانيتها وروحانيتها إلى الملائكة من الأفق الأعلى، ليصير في لمحة من اللمحات ملكًا بالفعل، ويحصل له شهود الملأ الأعلى في أفقهم، وسماع الكلام النفساني والخطاب الإلهي في تلك اللمحة، وهؤلاء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، جعل الله لهم الانسلاخ من البشرية في تلك اللمحة وهي حالة الوحي .. " (4)
(1) - عباس محمود العقاد، طوالع البعثة المحمدية (مطلع الأنوار ) ، كتاب الهلال، ص 99 .
(2) - محمد رشيد رضا، تفسير المنار، 11 / 150 .
(3) - ابن حزم، الفصل، 01 / 71 وما بعدها .
(4) - ابن خلدون، المقدمة، 01 / 408. وخلاصة مذهب ابن خلدون في ظاهرة الوحي هي نزول العلم الأزلي في مدارك العلم البشري، أو تنزل اللانهائي في مدارك النهائي، =
= وعندما ينجلي الوحي عن الرسول، تبقى آثاره في الملكة البشرية. انظر محمد الصغير بناني، البلاغة والعمران عند ابن خلدون، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1996، ص 197 .