فهرس الكتاب
وممن أنكر النبوات أبو حاتم الرازي، الذي قرر بأن الأنبياء لا حق لهم في أن يدعوا لأنفسهم ميزة خاصة عقلية أم روحية، فهم وسائر الناس سواسية في ميزان العدل الإلهي، بل إن الحكمة تقتضي عموم تميزهم، وفي ذلك حيطة من أن يجعل بعضهم أئمة لبعض، فتصدق كل فرقة إمامها، وتكذب غيره (1) . وقد وردت مجمل آرائه في كتاب أعلام النبوة المنسوب إليه، والذي أثار جدلا بين أوساط الدارسين حول صحة هذه النسبة، وربما خلط بعضهم في نسبته إليه، إذ نسب إنكار النبوة أيضًا إلى أبي زكرياء الطبيب الملقب بالرازي وهو صاحب كتاب ترك أثرًا في تفكير علماء الدين الغربيين، على ما يصرح العلامة ماسنيون Massignon وهو الموسوم بمخاريق الأنبياء (2) . أما ابن حزم، فيعتمد على أصل معرفي يتصل بما تحققه العلوم والصنائع من فوائد للإنسانية وهذا الأصل ينطلق من فكرة التعليم أو الوحي فالعلوم جملة وتفصيلًا مشتقة من المعرفة الإلهية التي نقل جزء منها إلى الناس عن طريق النبوة والرسالة، يقول: " ... وكذلك كل ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه من حرث، وحصاد، وعجن، وطبخ واستخراج الأدهان، ودق الكتان، وغزل القطن وحياكته، وآلات كل ذلك، وحفر الآبار وتربية النحل ودود الخز، واستخراج المعادن، وعمل الآنية منها ... وكل ذلك لا سبيل إلى الاهتداء إليه دون تعليم، فوجب بالضرورة، ولابد أنه من إنسان واحد فأكثر علمهم الله تعالى، ابتداء كل هذا دون معلم، ولكن بوحي حققه عنده، وهذه صفة النبوة " (3) . ومما يدل على أن النبوة هي أصل المعرفة، انتفاء الوقوف على المعارف، والصناعات، وتحصيل ملكتها، دون تعليمها من طرف معلم، فلا بد إذن من وحي من الله في كل ذلك (4) . ويؤكد ابن
(1) - عبد اللطيف العبد، أصول الفكر الفلسفي عند الرازي، ص 133 ...
(2) - إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية منهج و تطبيق، 01 / 89.
(3) - ابن حزم، الفصل، 01 / 72 ... .
(4) - ابن حزم، الفصل، 01 / 72بتصرف .