فهرس الكتاب
والذي يزيد في القرآن إعجازًا وقدسية ما يتضمنه من رسالة خالدة للإنسانية، وقد وصفه الرسول (ص) بكونه لا يخلق من كثرة الرد والتكرار، فلا يسرع الملل بأي وجه من الوجوه إلى قارئه أو سامعه، إن لم يكن بطبيعة الحال منكرًا ! ولعل في هذه المزية سرًا آخر يجعلنا نقول بأن الإعجاز في القرآن لا يقتصر على نظمه ولفظه وبلاغته، بل هو معجز من الناحية النفسية أيضًا. وفي هذا السياق أيضًا دعا الرسول خصوم القرآن إلى أن يأتوا ببيان ساحر للب من جنسه، لكنهم عبثًا يحاولون، فهم مفتقرون إلى عناصر أساسية بنى عليها القرآن إعجازه، وهي الغاية النبيلة لإصلاح حال البشرية، والتي يغذيها الفكر الناضج، والمنطق العلمي المتزن، والعاطفة المتأججة، والخيال الخصب، والروح السامية، وهذه سمات لا يمكن أن تجتمع كلها في نص إلا في القرآن، كلمة الله الخالدة (1) . ومع هذا كله، دأب كثير من الأدباء على درس قضية الإعجاز، بوصفها مدخلًا لعلم البلاغة، بل باعتبارها مؤسسًا موضوعيًا لعلوم البلاغة كلها، التي انبثقت - كما هو معلوم - من العناية بدراسة النص القرآني (2) .إن قضية الإعجاز من القضايا الجوهرية في العقيدة، لأنها تؤطر مسألتين مهمتين في الإسلام، هما النبوة من حيث هي صفة للرسول صاحب الرسالة وناقلها للناس، والوحي من حيث هو أحكام تعبدنا بها الخالق. والحقيقة أن هناك رباطًا وثيقًا يشبه عقد اللؤلؤ بين المخاطِب، والمخاطَب، والخطاب، والواسطة بينهما:
الرسول
الله ... ... ... الرسالة ... ... ... المكلّفون
(1) - وليد قصاب، قضية إعجاز القرآن عند الجاحظ، مجلة كلية الآداب، الإمارات، عدد 01، 1985، ص 35، 36.
(2) - لعل كتاب دلائل الإعجاز للجرجاني أول كتاب تنظم فيه المقولات البلاغية، المؤسسة على مفهوم الإعجاز تنظيما علميا دقيقا، وقد اعتمد في الأصل على مؤلف محمد بن يزيد الواسطي وهو مفقود .