فهرس الكتاب
وليست الظاهرية مذهبًا سطحيًا متساهلًا، بل هي مذهب يقدم الإجراءات اللازمة وفق رؤية معينة لسبر غور الحقيقة بعمق بالاستدلال والنص الذي يمثل عندها بنية لسانية متكاملة، قابلة للتفسير بكل شفافية. إنه تفسير يعطي النص السلطة الأولى وإن كان لا يتنصل من إجراءات البرهان والمنطق، ويدعو القارئ إلى إنعام النظر ليستجلي الحقيقة بعيدًا عن كل غموض أو رجوع إلى الوراء بالارتماء في أحضان التقليد. وقد سجلت كتب التاريخ والفقه مناظراته مع خصومه انتصارًا لمذهبه و دفاعه المستميت مطبقًا كل أصول الجدل، وفي مقدمة الخصوم أبو الوليد الباجي. ومما تجدر الإشارة إليه أن المذهب الظاهري قد حقق انتشارًا كبيرًا في القرن الرابع الهجري في إيران وبلاد ما وراء النهرين، وكان أصحاب داوود يتولون مناصب سامية على عهد عضد الدولة البويهي (1) .
لم يكن القول بالظاهر أمرًا مستحدثًا من قبل داود، فقد تورع من الصحابة خلق كثير عن إعمال القياس والقول بالرأي، والركون دوما للنصوص. ولم يقتصر الأمر على الشرعيات، فقد كان من علماء اللغة في بغداد من يرجح السماع ولا يستجيز القياس من أمثال ثعلب (ت 219هـ) والسيرافي (ت 368) والفخر الرازي (ت 606 هـ) (2) . أما في الأندلس، فقد كان ابن حزم أكبر ممثل للمذهب الظاهري، بعد أن بدأ حياته مالكيًا، ثم شافعيا، ثم اختار مذهب الظاهرية (3) ، وساعده اطلاعه على المعارف على نشر المذهب وإثرائه، ليزاحم المذهب المالكي في معقله، ويكون لرجالاته شأن في إدارة الحياة الاجتماعية، ولولاه لاندثرت فروع هذا المذهب وأصوله، ولما بدا منها إلا ما هو أشتات موزعة في بطون الكتب .
(1) - أحمد بكير محمد، المدرسة الظاهرية بالمشرق والمغرب، ص 30 وما بعدها .
(2) - عبد الحميد الشرقاوي، رواية اللغة، ص 276 .
(3) - أحمد أمين، ظهر الإسلام، 03 / 49 ...