فهرس الكتاب
يتلخص مذهب الصرفة في أن الإعجاز القرآني لا ينبع من النص ذاته، بوصفه نصًا لسانيًا، بل ينبع من عجز العرب، المشهورين بالفصاحة وحسن البيان، من أن يأتوا بمثله. وقد ورد هذا التحدي على لسان القرآن نفسه، وقد ذهب إلى هذا الرأي النظام من المعتزلة وقد وافقه ابن حزم على ما ورد في الفصل، وقد يحلو للبعض ممن ينتقد مذهب الصرفة أن ينفي عن القائلين به تسليمهم بإعجاز القرآن. والحقيقة أن هؤلاء نقلوا الإعجاز من النص إلى صفة تتصل بصاحب النص، فالله المتفرد صاحب الوحدانية المطلقة، والذي يحرص المعتزلة على تأكيد هذه السمة له، وعدّ التوحيد مبدأ أساسًا في آرائهم الكلامية، نطق الكلام الذي هو فعل من أفعاله المحدثة، وميز بين كلامه وكلام البشر، وفي تصور المعتزلة لا بد من نقل قضية الإعجاز من مجال العدل - مجال الأفعال - إلى مجال التوحيد، من خلال مفارقة الصفات الإلهية للصفات البشرية، ويدخل في هذا السياق عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن، لتدخل العناية الإلهية والقدرة الربانية لمنع قيام أية محاولة (1) . على أن المعتزلة، ومن بينهم النظام لم يكتفوا بالصرفة مذهبا، فقد رأوا في الإخبار بالغيب علامة على الإعجاز في مستوى مضمون النص، وهذا دليل على صفة العلم الإلهي، التي يمتاز بها الخالق جل وعلا، عن سائر المخلوقات، أما الباقلاني، فيؤكد أن الإعجاز في القرآن كامن في بنيته الداخلية، كنص لغوي له خصائص على مستوى التأليف، تميزه من سائر الأنواع الكلامية المألوفة عند العرب، وله أسلوبه الذي يختص به، ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد. وذلك أن الطرائق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم، تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجوع، ثم إلى ما يرسل إرسالا، فتطلب فيه الإصابة والإفادة وإفهام
(1) - ابن حزم، الفصل، 3 / 31.