فهرس الكتاب
ويستوقفنا الوجه الخامس الذي يحدد مقدار المعجز من القرآن، فذهب الأشاعرة إلى أنه مقدار أقل سورة منه (وهي سورة الكوثر) محتجين بقوله:
{ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ } (البقرة/23) . وذهب غيرهم - وهم الأغلب - إلى أن المعجِز كلامُ الله كله، والحقيقة أن الإعجاز لا يتحدد بسورة أو بأقل منها، أو بعدد معين من الكلمات والحروف، فكل كلام الله معجز إذ صرف سبحانه همم البلغاء والخطباء والفصحاء على أن يأتوا بمثله - على قول من يختار هذا الرأي - كما لا يمكن أن نتصور سورة معجزة مكونة من عدد من الآيات، لا تتسم الواحدة منها بسمة الإعجاز، إذ لا إعجاز للكل إلا من خلال ترابط الأجزاء. ويزيد ابن حزم المسألة توضيحًا بالمثال الإحصائي، الذي يضربه في قوله: إن سورة الكوثر عشر كلمات اثنان وأربعون حرفًا، وقد قال تعالى:
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاِعيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ } (النساء / 163) اثنتا عشرة كلمة اثنان وسبعون حرفًا، وإن اقتصرنا على الأسماء فقط، كانت عشر كلمات اثنين وستين حرفًا، فهذا أكثر كلمات وحروفًا من سورة الكوثر، فينبغي أن يكون هذا معجزًا عندكم، ويكون { لكم في القصاص حياة } (البقرة / 179) غير معجز " (1) .
-ترجمة القرآن في ضوء مفهوم الإعجاز
(1) - ابن حزم، الفصل، 3 / 21 .