فهرس الكتاب
لا يمانع ابن حزم من تفسير القرآن باللغة الأجنبية لمن يترجم له، وإنما يمانع في تلاوة القرآن حين يترجم، فيفقد صفة الإعجاز الناتجة عن التأليف والنظم المنصوص وفق بنية اللغة العربية، رغم توافق الألفاظ المترجم منها وإليها. ويظل جواز الترجمة لغرض تعليمي إفهامي بحثًا قائمًا، يقول ابن حزم في ذلك: بلا خلاف من الأمة إن القرآن معجز، وبيقين ندري أنه إذا ترجم بلغة أعجمية أو بألفاظ عربية غير ألفاظه، فإن تلك الترجمة غير معجزة، وإذ هي معجزة فليست قرآنا" (1) . ويبدو أن ما ذكره اللساني روبنز (Robins) من أن ترجمة القرآن لا تمكن المسلم من استخدام النص المترجم، في الاستخدام الشعائري، يوافق إلى حد بعيد هذا الرأي الحزمي (2) . وعند العلماء، تكون الترجمة القرآنية بوجهين: أما الوجه الأول، فهو ترجمة بالمثل تراعي اللفظ والنظم، وهذا أمر في غاية الصعوبة؛ لأن الإعجاز القرآني متعدد الوجوه، مما يصعب على المترجم مهما كان ملمًا على أن يحقق تلك الخصوصيات، ولك أن تقف على آية من آيات القرآن ولتكن قوله: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَْحُسورَا } (الإسراء /29) لتدرك عدم استيفاء الترجمة الحرفية للمعنى المعجز الذي تتضمنه الآية، والذي يريد النص إبلاغه للناس . فالقرآن ليس مجرد بنية لغوية تتضمن أخبارًا أو جملة من الأحكام، يمكن الاجتهاد في ترجمتها إلى لغة ثانية، بل هو بنية لغوية، وثقافية، وسلوكية، وفكرية، وأوامر ونواهٍ وتمثيل، وتشبيه، وحجاج، وبرهان، وإقناع، ووعد ووعيد. ثم أليس من المنطقي نفي إمكان الترجمة عنه، وقد أعجز العرب أصحاب اللغة التي نزل بها على أن يأتوا بآية من مثله؟ فكيف الحال إذا كان الأمر متعلقًا بلغة أخرى، تختلف في أنساقها ونظامها عن العربية؟ .
(1) - ابن حزم، الإحكام، 02 / 88.
(2) - روبنز، موجز تاريخ علم اللغة في الغرب، ص 171 .