الصفحة 129 من 159

أما المسألة المهمة، فمتعلقة بالاختلاف البنيوي بين اللغة العربية التي بها نزل القرآن، واللغات التي يراد نقل المعاني القرآنية إليها، وهذا يستدعي من المترجم أن يمتلك القدرة اللسانية الفائقة على التعبير بالعربية، وفهمها، وإفهام المتلقين بها، ويزداد الأمر تعقيدًا إذا وضعنا في الحسبان الخصائص البيانية المعجزة للنص القرآني، والتي يعسر - إن لم نقل يستحيل - نقلها حرفيًا كما هي إلى اللغة الثانية، فكيف سيترجم المترجم قوله تعالى: { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } (البقرة / 187) إلى الفرنسية مثلًا، مع مراعاة الحكم الشرعي الذي تميل إليه الآية. وقس على ذلك مئات الآيات، خاصة الحافلة بالتصوير، والمشاهد، وضرب الأمثلة، مما لا يمكن نقله حرفيًا، أو حتى مقاربته لاصطدام المترجم - في أغلب الأحوال - بخصوصيات معجمية وتركيبية وأسلوبية، تتمتع بها العربية، غير متوافرة في اللغات الهندوأوربية، فضلًا عن اتجاهات المترجم، وميولاته، ومنهجه، فهو غافل ومفسر في الآن نفسه، ومتأثر ثقافته التي ستلقي بظلالها على نتائج الترجمة (1) .

-ظاهرة النسخ ووظيفتها النصية:

النسخ - ويسمى كذلك التبديل والإزالة - ينقسم في اللغة إلى معنيين، أولهما: التعفية، يقال انتسخت دولة فلان ونسخت الريح أثر القوم، أي عفته جملة، والثاني: تجديد الشيء وتكثير أمثاله، تقول: نسخت الكتاب نسخًا كثيرة. والظاهر أن المعنى الأول هو المقصود، ويقال: تناسخ المواريث انتقال المال من وارث إلى وارث، وتناسخ الأرواح بانتقالها من بدن إلى بدن آخر، ثم إن النسخ في اللغة موضوع بإزاء معنيين، أحدهما الزوال على جهة الانعدام، والثاني على جهة الانتقال (2) .

(1) - عبد النبي ذاكر، إشكالية نقل المعنى في ترجمات القرآن الكريم، ص 258 بتصرف .

(2) - الفيروزأبادي، القاموس المحيط، 01 / 271،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت