فهرس الكتاب
ثم أليس من المحصل كنتيجة للقول بخلقه أن يقال بعدها بفنائه وموته؟ فكل مخلوق معدوم، معرض للفناء. وقد تصدى القاضي عبد الجبار إلى هذه الشبهة، محاولًا ردها على اعتبار أن الحنابلة قد وقعوا في وهم الخلط بين كلام الله وكلام البشر. والحقيقة أن المعتزلة أنفسهم لم يوفقوا في إقناع الناس بوجهة نظرهم، وهذا ما حملهم على تثبيتها بالقوة، فكانوا دعاة لها، وكانوا من حكم عليها بالموت السريع (1) ، وقد تابعهم في ذلك الأشعري بتأكيده على عدم جواز أن يقال إن شيئًا من القرآن مخلوق ؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق، ولما كان كل حي متكلمًا وكان الله حيًا بحياة قديمة فهو لا بد متكلم بكلام قديم، ومن لا يتصف بالكلام، فهو متصف بضده من الخرس والعمى والسكوت، وهذا محال في حقه تعالى (2) . وفي هذا المضمار، يمكن الحديث عن مشكلة أخرى، أضرت بالبحث في حقيقة الكلام الإلهي، ألا وهي التفرقة بين الكلام النفسي القائم بالله وهو قديم، والكلام اللفظي من الإنسان وهو المحدث، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح عند المعتزلة: أي المعنيين أصلح لأن يسمى كلام الله والمعتمد عند الأشعري، هو الأول لأن الكلام صفة لمن قام به لا من نطق بالكلام، فيكون حينها مؤسسًا على علم الله القائم بذاته، لا يتغير بتغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الألفاظ، وهو الأنسب لمفهوم الوحي (3) .
(1) - الأشعري، مقالات الإسلاميين، 01 / 246 وما بعدها .
(2) - الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص 31 .
(3) - أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، 02 / 74 .