فهرس الكتاب
وذكر صاحب المواقف موافقته للمعتزلة في أن أصوات وحروف كلام الله يخلقها الله في غيره، كاللوح المحفوظ، أو جبريل، أو النبي، وهو حادث، وزيادة على ذلك إثبات المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ، وهذا هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته تعالى واحد لا يتغير بتغير العبارات، ولا يختلف باختلاف الدلالات (1) . والحقيقة أن المعتزلة في هذه القضية الخطيرة، لم يكتفوا بالنظر العقلي لإثبات مذهبهم، بل راحوا يبحثون عن أدلتهم من القرآن ذاته، وقد وجدوا في قوله تعالى: { مَا يَأْتِيِهْم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ }
(الأنبياء/02) ، وقوله: { وَمَا يَأِتيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمنِ ِمُحْدَثٍ } (الشعراء / 05) ، ما يحفظ لهم سلامة نظرهم بين الخصوم، بل وجدنا منهم من فسر قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ } (البقرة / 30) بأنّ إذ ظرف دال على ما مضى من زمان، فيكون قوله الواقع مختصًا بزمن معين، وما كان كذلك فهو محدث ولا شك، وقوله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًا } (يوسف/01 ) ، فيه دلالة على أن كلامه تعالى يمكن أن ينزل بغير العربية، وهذه صورة من صور الحدوث لا القدم. ويبدو أن المعتزلة استهوتهم المعاني المساوقة لما جنحوا إليه من تجريد، وما عولوا عليه من دعوى العدل والتوحيد، لذلك حملوا هذه الآيات وغيرها على المجاز، وتنكروا لدلالاتها الظاهرة المفهومة من منطوق الآيات (2) .
(1) - الأيجي (عضد الدولة) ، شرح المواقف، تحق محمد بيصار، 02 / 362
(2) - لطفي عبد البديع، فلسفة المجاز، ص 57 .