فهرس الكتاب
يبدو أن موقف ابن حزم من القياس الأصولي كان نتيجة حتمية وطبيعية لتعدد مصادر التشريع التي سنها المجتهدون، وعدها- هو - استدراكًا على النص. وقد أخذ هؤلاء يبحثون لأدلتهم عن حجج من القرآن والسنة تدعم وجود هذه المصادر، وتثبت حجيتها في استنباط الأحكام. وكان القياس في صدارة هذه المصادر التي اهتموا بها ؛ ذلك أنه يمثل أنموذج الاجتهاد بالرأي في الشريعة في غياب نصوص قطعية وصريحة. وانطلاقًا من صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ظهر لمنكري القياس - وفي مقدمتهم ابن حزم - أن العمل به قد فتح الباب على مصراعيه لأصحاب الأهواء ليدعوا في دين الله بالتحليل والتحريم ما لم يرد فيه حكم إطلاقًا إلى درجة أن سوغوا أباطيل الحكام، مموهين للحقائق التي لا تقبل التأويل، وقد كثر هؤلاء في عصر ابن حزم في عهد ملوك الطوائف، فأصبح الباطل معروفا (1) .
غير أننا نجد أنفسنا ملزمين بالتذكير بأن ابن حزم لم يكن أول من أنكر القياس، فقد سبقه إبراهيم النظام المعتزلي، ومن قبله توقف كثير من الصحابة والتابعين عن العمل به (2) . هذا، ونود في عجالة أن نلم بأهم الاعتراضات التي قدم بها ابن حزم لرفض العمل بالقياس، وهي:
أ - إن الحكم الشرعي في النص قد يكون مباحًا أو واجبًا أو حرامًا، ولا يمكن أن يحدث حكم بغير نص، اعتمادًا على رأي أو قياس .
ب - اكتمال الدين وتمام الشريعة يمنعان النقصان عن النص، الذي أفصح عن استيعابه لكل قضية بذاته في قوله تعالى: { ما َفَرَّطْنَا فٍي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ } (الأنعام / 38 ) ، وعدم احتياجه لما يكمله من قياس أو ما يشابهه .
(1) - طه الحاجري، ابن حزم صورة أندلسية، ص 122 .
(2) - محمد علي حماية، ابن حزم ومنهجه في دراسة الأديان، ص 170 .