فهرس الكتاب
ج - النصوص الكثيرة المروية في إبطال الرأي، والقول بما لا علم للإنسان به، ناهيك عن الأساس الذي يقوم عليه القياس، وهو العلة المشتركة بين الأصل والفرع، والتي توجب التساوي في الحكم، وهذه العلة لا بد لها من سند يدعمها، ذلك أن مسلك الوصول إليها ظني وغير قطعي، فإن ورد فيها نص فإن دعوى القياس تبطل، وأما إذا لم يحصل ذلك، فإنه معدود قولًا بغير علم، وتلبيس في دين الله (1) .
هذا، وقد خصص ابن حزم رسالة ينقد فيها إجمالا القياس وأدلة أصحابه، وإن نحن أمعنا النظر فيها، وجدناهاه قد صدرت عن فكرة بيان النصوص، التي هي قطب الرحى في المذهب الظاهري الحزمي، إذ لا معنى حينها للقياس والنصوص كلها محكمة لا يندّ عنها شيء . وفي ضوء هذه الرؤية، يقرأ ابن حزم قوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا، قُلْ"اللهُ أَذِنَ أمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونْ } (يونس/ 59) (2) . والحق أنه لا منافاة بين العمل بالقياس وبين الاعتراف بشمولية النصوص واستيعابها وبيانها الذي لا يتحقق عن طريق العبارة لوحدها، بل لا بد من تعرف دلالة النص من خلال الإشارة والفحوى، واعتماد مقاصد الشريعة التي نصّ عليها كبار الفقهاء المجتهدين، وهو ما لم يهضمه ابن حزم."
(1) - أبو زهرة، أصول الفقه، ص 225 بتصرف
(2) -ابن حزم، ملخص إبطال القياس، ص 28 .