الصفحة 39 من 159

يعدّ ابن حزم الاشتقاق الصحيح اختراع اسم لشيء ما مأخوذ من صفة فيه كتسمية الأبيض من البياض والمصلى من الصلاة والفاسق من الفسق، وما أشبه ذلك. وليس في شيء من هذا ما يوجب أن يسمى أبيض ما لا بياض فيه، ولا مصليًا ولا فاسقًا من لا فسق فيه. فأي شيء في هذا مما يتوسل به إلى إيجاب القياس، والقول بأن البر إنما حرم أن يباع بالبر متفاضلًا ؛ لأنه مأكول أو لأنه مكيل أو لأنه مدخر؟ (1) . إن مقالة ابن حزم هذه كما هو ظاهرتسوي بين الاشتقاق والقياس، وعليه كان إنكاره للأول. ثم أخذ يبين في مواضع فساده بقوله: " إننا نقول لمن قال إنما سميت الخيل خيلًا لأجل الخيلاء التي فيها، وإنما سمي البازي بازيًا لارتفاعه، والقارورة قارورة لاستقرار الشيء فيها، والخابية خابية لأنها تخبأ ما فيها. إنه يلزمك في هذا وجهان ضروريان لا انفكاك لك منها البتة ؛ أحدهما: أن تسمي رأسك خابية لأن دماغك مخبوء فيه، وأن تسمي الأرض خابية لأنها تخبأ كل ما فيها، وأن تسمي أنفك بازيا لارتفاعه، وأن تسمي السماء والسحاب بازيا لارتفاعهما، وكذلك القصر والجبل، وأن تسمي بطنك قارورة لأن مصيرك مستقر به، وتسمي البر قارورة لأن الماء مستقر فيها. والوجه الثاني أن يقال: إن اشتققت الخيل من الخيلاء أو القارورة من الاستقرار والخابية من الخبء، فمن أي شيء اشتققت الخيلاء والاستقرار والخبء، وهذا يقتضي الدور الذي لا ينفك عنه.. بل والبرهان الضروري قد قام على بطلانها ؛ لأنه لم توجد قط الخيلاء إلا والخيل موجودة .. ولو كان ما قالوا لكانت الأسد أولى أن تسمى خيلًا؛ لأنها أكثر خيلاء من الخيل ولكانت النسور أولى أن تسمى بزاة من الصقور ؛ لأنها أشد ارتفاعًا منها " (2) . ومثاله الآخر القول بأن الجن سموا كذلك لاجتنانهم، أي استتارهم . ومن ذلك سمي المِجنّ الاشتقاق وعدم القدرة على الوصول إلى نهاية، ثم

(1) - ابن حزم، الإحكام، 8 / 93 و 94.

(2) - ابن حزم، الإحكام، 01 / 94 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت