ما الذي يجعل لفظة ما أولى بأن تكون أصلًا لأختها من أخرى، وإن سلمنا بصحته في ألفاظ فلماذا لا نسلم به في أخرى من مثل قول الزجاجي في نوادره بأن العشقة نبت يخضر، ثم يصفر ثم يهيج، ومنه سمي العاشق عاشقًا، أو ما علم هذا الرجل -يقول ابن حزم- أن كل نبت في الأرض فهذه صفته، فهلا سمي العاشق باقلًا مشتقًا من البقل الذي يخضر ثم يصفر ثم يهيج؟ ! (1) .
ويبدو أن ابن حزم يركن إلى أساس منهجي سليم، بعودته دائمًا إلى منطوق اللغة العربية في سننها التي يشهد لها شعر الشعراء والقرآن الكريم. وقد أورد في هذا ما نصه: " قالوا ونرجح بأن يكون الاشتقاق يؤيد أحد النصين، ومثلوا لذلك بالشفق وادعوا أن اشتقاقه يؤيد الحمرة. قال علي: ما سمعناه في علم اللغة ولا علمناه ولا سمع لغوي قط أن الشفق مشتق من الحمرة، وإنما عهدنا الشعراء يسمون الحمرة والبياض مختلطين في الخدود بالشفق على سبيل التشبيه فقط، وإنما قلنا: إن وقت العشاء الآخرة يدخل بمغيب الحمرة؛ لأن الحمرة تسمى شفقًا والبياض يسمى شفقًا، فمتى ما غاب ما يقع عليه اسم شفق من حمرة أو بياض فقد غاب الشفق ودخل وقتها بيقين.. وهذا هو القول بالعموم والظاهر " (2) . والحقيقة أن الاشتقاق ظاهرة لغوية أغنت اللغة العربية، بل كان سلاحًا لحفظ النوع في تلك البلاد الممتدة من الخليج إلى المحيط. والعربية تصارع لغات أخرى لإثبات وجودها، فأضيفت إليها عناصر أخرى ومدلولات أعمق وأبعد على امتداد المكان والزمان (3) . ونود أن نختم مبحثنا هذا في ظاهرة الاشتقاق بنسبة الموضوع إلى فقه اللغة الذي يدرس حروف اللغة وأصواتها وأنواع الجمل والتغيير الذي يطرأ على الألفاظ وأسبابه .
العلامة الإعرابية:
(1) - ابن حزم، الإحكام، 1 / 12 .
(2) - ابن حزم، الإحكام، 02 / 63 .
(3) - عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص، ص 82 .