الصفحة 41 من 159

الحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان أن العلامة الإعرابية لا تعدو أن تكون أداة للكشف عن المعاني الوظيفية في الكلام. وتظل الألفاظ، وهي فيه، مغلقة من الوجهة الوظيفية حتى يكون الإعراب، فيوضحها ويكشفها. ولقد كان موقف ابن حزم من العلل واضحًا فقد نقضها وحكم عليها بالفساد، كما رفض الأقيسة مبدئيًا. فاللغة تؤخذ سماعًا، والعرب تعارفت على رفع كذا ونصب كذا وجر كذا، وليس ذلك أثرًا من آثار العوامل، بل من عمل صاحب اللغة نفسه، وكثيرًا ما ألمع إلى هذا الدور في مناسبات عدة، منها قوله: "... لما فشا جهل الناس باختلاف الحركات التي باختلافها اختلفت المعاني في اللغة العربية، وضع العلماء كتب النحو (...) ، فكان ذلك معينًا على فهم كلام الله عز وجل وكلام نبيه (ص) " (1) . ولعل عدم الاحتكام إلى الحركة هو المسبب الرئيس لسوء فهم يقع فيه القارئ للقرآن أو المتصدي لاستنباط الأحكام من مثل قوله تعالى: { إِنمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العَُلَماءُ } (فاطر / 28 ) ، وقراءة أحدهم { إن الله بَرِيءُ مِنَ المُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } (التوبة / 03 ) ، فقرأ بكسر لام رسول ... (2) ، وأمثلة كثيرة ذكرها وغيره، كأمثلة حية تؤكد قيمة الحركة الإعرابية في ضبط الكلام وتحقيق الفهم (3) ، وهو الموقف ذاته الذي تبناه -فيما بعد- ابن مضاء القرطبي، بإعطائه الأولوية للحركة، مفندًا نسبة الإعراب إلى العامل الظاهر أو المضمر . والحق أن يقال بأن العمل من رفع ونصب وجر وجزم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره (4) ، ويصل - ربما - إلى درجة الشطط في التعصب لدورها الوظيفي في بنية الكلام ودلالته في قوله:... وكما لا نسأل عن عين عظلم والفتح في جيم جعفر وباء برثن لم فتحت هذه، وضمت هذه، وكسرت هذه، فكذلك أيضًا لا نسأل

(1) - ابن حزم، التقريب، ص 03 .

(2) - ابن حزم، التقريب، ص 175 .

(3) - ابن حزم، التقريب، ص 199 ..

(4) - ابن مضاء، الرد على النحاة، ص 87 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت