والأكيد من ذلك نقطتان مهمتان تتأسس عليهما نظرته إلى النحو؛ أما الأولى، فبوصفه منظومة القواعد الخاصة باللغة، مبني على المسموع من كلام العرب، الذين نطقوا بلغتهم سليقة حسب ما تهجم به عليهم طباعهم، فهم أجدر على تفهم معانيها. وأما الثانية، فكون العلل الموضوعة في النحو في عصر متأخر ضعفت فيه الملكة اللسانية، أداءً وفهمًا ضعيفة، من حيث تأسيسها البعيد عن الاستعمال. وقد ألمع إلى ذلك في مقام آخر بقوله: " كنحو المسائل الطوال التي أدخلها أبو العباس المبرد في صدر كتابه"المقتضب في النحو"فإنها لا ترد على أحد أبدًا، لا في كتاب ولا في كلام ... " (1) . وعلى صعيد التدرج في التعليم، كمبدأ أساس لتحصيل العلوم، يمكن أن يفهم إنكاره لعلل النحاة أيضًا، وهو ما نتلمسه ونحصل على بعض جوانبه في قوله: ولسنا نذم من طلب هذا كله، بل نصوب رأيه لكنا نقول: ينبغي لطالب كل علم أن يبدأ بأصوله التي هي جوامع له ومقدمات، ثم بما لا بد منه لتفسير تلك الجمل، فإذا تمهر وأراد الإيغال والإغراق، فليفعل " (2) . وعلل النحو أنموذج لغوي حي لهذا الإيغال، وكأننا به يخص فئة المهرة في النحو وهم علماؤه المتبحرون في أمواجه لا المبتدئون .
(1) - ابن حزم، التقريب، ص 104 .
(2) - ابن حزم، التقريب، ص 104