الصفحة 44 من 159

وعلى صعيد الاحتكام إلى المسموع من كلام العرب ينبه على ضعف فكرة الاستثقال التي يعلل بها النحويون كثيرًا من المسائل اللغوية، فتجده يقول:.. ومثل ما يستعمله النحويون في عللهم، فإنها كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة البتة، وإنما الحق من ذلك أن هذا سمع من أهل اللغة الذين يرجع إليهم في ضبطها ونقلها، وما عدا هذا فهو مع أنه تحكم فاسد متناقض، فهو أيضًا كذب ؛ لأن قولهم كان الأصل كذا فاستثقل فنقل إلى كذا شيء يعلم كل ذي حس أنه كذب، لم يكن قط ولا كانت العرب عليه مرة، ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك " (1) . ولنا بعد هذه الوقفة أن نقبل زعم من يربط بين هذا الموقف اللغوي المتشدد من العلة النحوية أو نرفضه، وموقفه من العلل التي وضعها الفقهاء في الشريعة. فالعلة النحوية فاسدة لعدم احتكامها إلى الاستعمال العربي وجنوحها إلى منطق العقل، تأثرًا بعلل المتكلمين، والعلة الشرعية مرفوضة فيما لم ينص القرآن عليه، إذ هي زيادة وتقوّل على صاحب الشريعة، والفرق بين الرؤيتين واضح من هذه الناحية. فليس في الشرائع - على حد قوله - أصلًا بوجه من الوجوه ولا شيء يوجبها إلا الأوامر الواردة من الله عز وجل فقط، إذ ليس في العقل ما يوجب تحريم شيء مما في العالم وتحليل آخر، ولا إيجاب عمل وترك إيجاب آخر (2) .

(1) - ابن حزم، التقريب، ص 168. ...

(2) - ابن حزم، التقريب، ص 168 و 169 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت