الصفحة 46 من 159

خصص ابن حزم مؤلفات مستقلة موضوعها الأساس القياس، إلا أنه لم يعمق البحث في القياس اللغوي، ولم ترد إلا بعض الإشارات المنكرة له في سياق دحضه لفلسفة العلة النحوية، والسبب في ذلك عده اللغة سماعًا تؤخذ بالنقل المتواتر عن أصحابها، يقول: " أما علم اللغة، فإلى ما سمع أيضًا من العرب بنقل الثقات المقبولين أن هذه لغتهم " (1) . ويتجلى هذا الموقف في مستوى الاستعمال ؛ فما ظنه البعض ألفاظًا مترادفة على سبيل القياس خطأ، والوجوب الرجوع إلى مواضعات العرب والامتناع عن نقل بعضها إلى مواضع أخرى. ففي مجال العقيدة، يرى أن الله لا يسمى إلا بما سمى به نفسه اتباعًا للنص ونزولًا عند دلالته الظاهرة، ومن خطأ من سماه قديمًا ؛ لأن الله لم يسم نفسه قديمًا، ولم يرد في ذلك نص، بل إن القدم صفة من صفات المخلوقين، وهو ما يدعمه قوله تعالى: { وَالقَمَرُ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمْ } (يس/29) . ثم إن القدم في اللغة مرتبط بالزمان والله لا يحده زمان، كما لا يحيط به المكان وقد أغنى الله عن هذه التسمية بأخرى يمثلها لفظ"الأول" (2) ، أما على صعيد المستوى المعرفي، فرفضه للقياس نابع من نفيه لتساوي الغائب بالحاضر وتطابق الأشياء في صفاتها في العالم .

(1) ابن حزم، التقريب، ص 202 .

(2) ابن حزم، الفصل، 02 / 151 و152، وابن حزم، التقريب بلفظ مشابه، ص 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت