الصفحة 49 من 159

أما المصدر الثاني للغلط أو اللحن، فهو الالتباس في رسم الحروف في مستوى الكتابة بالخط العربي الذي يظهر تشابهًا كبيرًا بين الرموز الخطية، كالباء والتاء والثاء. وشبيه بهذه الصور التي عرضها ابن حزم، شعورًا منه بأهمية الموضوع وخطورته على النص القرآني ما أبان عنه الجاحظ في البيان والتبيين من صور متعددة للحن في اللغة، نطقا وصيغة وتركيبًا ودلالة، مرجعًا ذلك إلى ظهور الازدواجية اللغوية، إذ أخذت الشقة في البنية الاجتماعية تتسع مع انتشار العربية في الشام وفارس وبلاد ما وراء النهر ومصر وإفريقية والأندلس، مما أدى إلى ظهور لغة المولدين، التي زاحمت الفصحى حتى في المستويات الرسمية وكثر اللحن في ألسنة الخاصة، وها هو ذا خليفة يكتب إلى عامله أن أحصي المؤنثين قبلك، فقام بخصيهم جميعًا (1) . ويمكن القول بأن ابن حزم قد لفت الأنظار في هذا النص المقتضب إلى بعض مظاهر تطور المعنى وتحوله، وإن كان يرى فيه غلطًا من حيث الاستعمال ؛ ذلك أن التحول في المعنى يمكن أن يسوغ بالمماثلة بين الأسماء راعنا بمعنى الرعونة وراعنا بمعنى المراعاة واللفظ للقراءة وللرمي، وكذلك عن طريق المجاورة في الاستعمال مثلما هو في قوله تعالى: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوْا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدْ } (البقرة / 187) (2) . فقد تجاور المعنيان استعمالًا، والفرق بينهما أن الخيطين في الآية يدلان مجازيا على الظلمة والنور، وهو ما لم يفهمه عدي بن حاتم .

وفي هذا السياق، نفهم لماذا ظهر الاهتمام المبكر بالدرس النحوي الذي يقدم الأنموذج اللغوي الأكمل، الذي يجب الخضوع له وتمثله نطقًا وكتابة

(1) ابن حزم، التقريب، ص 175 .

(2) فايز الداية، علم الدلالة العربي دراسة نقدية تأصيلية، ص 264 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت