الصفحة 51 من 159

يلحّ اللسانيون، اليوم، على جعل علم الدلالة علمًا خاصًا بدراسة معنى الكلمات أو المعنى اللغوي عامة دون التطرق إلى مسائل منطقية ونفسية. والحقيقة أن العناية بدراسة المعنى كانت من أقدم اهتمامات الفكر الإنساني، وحظيت بمكانة متقدمة في التفكير العربي القديم خاصة. وكانت إسهاماتهم مهمة في مجال وضع الرسائل الدلالية المتنوعة والتي كانت بذرة لظهور العمل المعجمي المنظم على يد الخليل وتلامذته (1) . ثم جاء ابن فارس، وربط بين المعاني الجزئية للمادة بمعنى عام يجمعها في معجمه الضخم مقاييس اللغة، وقام الزمخشري بمحاولة رائدة في كتابه أساس البلاغة، حين ميز بين المعاني الحقيقية والمعاني المجازية. أما الأصوليون، فقد تناولت كتبهم مباحث الدلالة اللفظية من حيث المنطوق والمفهوم، والعموم والخصوص، والظهور والخفاء، وغنيت مؤلفاتهم ومؤلفات معاصريهم من مناطقة وفلاسفة بأمثلة هذه القضايا المتصلة اتصالًا وثيقًا بالدرس الدلالي والمعجمي، كابن سينا والفارابي وابن رشد والغزالي والقاضي عبد الجبار. وفي الدرس الحديث، يولي علم الدلالة الكلمة عناية بالغة باعتبارها الوحدة الدلالية الأساسية في اللغة الإنسانية، لها معنى أساسي أو مركزي عليه مدار الاتصال بين أفراد الجماعة الواحدة، ومعان إضافية سياقية تلقي بظلالها على المعنى الأساسي. ولسلامة الفهم بين المتخاطبين يشترط دومًا معرفتها بالمعنى الأول للكلمة، وهو ما سنقف عليه مع ابن حزم في معجمه الخاص، الذي يضم أهم الكلمات الدائرة بين أهل النظر والتي وقع خلاف كبير بين الناس في فهمها، بسبب جهلهم لدلالتها الأساسية على حد قوله .

-أهمية المعنى المعجمي عند ابن حزم:

(1) أحمد محمد قدور، المدخل إلى فقه اللغة العربية، جامعة حلب 1991، ص 190 وما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت