فهرس الكتاب
ومن صور العناية بالسياق عنده انكاره على أحمد بن حابط المعتزلي، الذي وسع دائرة الرسالة لتشمل سائر المخلوقات محتجًا بقوله تعالى { وَمَا مِنْ دَابَّةٍٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيُر بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } (الأنعام / 24 ) ، وقوله { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ } (فاطر /24 ) ، محتجا بنعمة العقل التي منحها الإنسان، والمخصوص من جهة ثانية بمنحه النطق الذي هو سبيل التصرف في العلوم والصناعات. والله لا يخاطب بالشريعة إلا عاقلها، والعارف بمرادها ومن له قدرة على ذلك. ولا ريب في أن الحيوان يعدم هذه الخصائص، ومن ثم، فهو غير معني بالشريعة والتكليف، في حين تضحى كلمة"أمة"مجرد لفظة دالة على أنواع الأمثال، لا غير، وفرق بين أمة النحل والطير والإنسان بمعنى النوع، وبين أمم الناس بمعنى قبائلهم وطوائفهم وحاضرهم وغائبهم (1) . وفي سياق رد ابن حزم على المالكية الذين اتهمومه بالاكتفاء بظاهر الألفاظ في النصوص، يقول موضحًا عدم وجود فرق بين ظاهر اللفظ في النص ومفهوم الخطاب: "وأما تغليبنا الظاهر وإعماله على مفهوم خطابه، فكلام لا يعقل لاستعمال الظاهر دالًا بمفهوم خطابه، وهو نفسه الذي يبدو للسامع منه لا معنى للظاهر غير ذلك" (2) . المفهوم أنه لا يقر أصلًا بشيء اسمه المعنى الظاهر أو لنقل بالمصطلح الحديث الدلالة المركزية، والمعنى المفهوم من الخطاب أو الدلالات الخاصة، بل هناك معنى واحد هو المدرك للسامع فقط.
(1) ابن حزم، الفصل، 1 / 79 .
(2) ابن حزم، رسالتان له أجاب فيهما عن رسالتين فيهما سؤال عنيف، ص 94 .