فهرس الكتاب
ولعل في رده على مزاعم ابن النغريلة اليهودي دليلًا آخر على فهم المقام الذي يتنزل فيه النص، فهذا المدعي رأي في قوله تعالى: { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوْا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } (النساء / 78) تناقضًا لما ذكر في آخر هذه الآية في قوله تعالى { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ الله وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } (النساء / 78 ) . ويسعى ابن حزم إلى رد هذا الادعاء انطلاقًا من كون الآية مكتفية بظاهرها عن تكلف تأويل، مستغنية ببادئ ألفاظها ونزول هذه الآية جاء كرد على من نسب لحاق السيئات به في الدنيا لمحمد (صلى الله عليه وسلم) بأن الإنسان يجني ما كسبت يداه من تقصير أو أداء للواجبات، وكل من عند الله جملة. فإذا نظر الإنسان إلى الآية الموجهة إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، أخذته الدهشة وطرح سؤالًا خلاصته هل يمكن أن يظهر التقصير من النبي مع عصمته؟ والحقيقة أن المقصود هنا هو تأدية شكر الله وجميع حقوقه على عباده، وهذا لا يستوفيه نبيّ ولا ملك. وقد جاءت إجابة الرسول (ص) صادعة حين قال لأصحابه " إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله، فقيل له: ولا أنت يا رسول الله؟ فقال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته (1) " .
(1) صححه ابن حبان، تحقيق شعيب الأرناؤط، مِسسة الرسالة، ط2، بيروت، 1993، كتاب البر، باب ما جاء في الطاعات ..