الصفحة 60 من 159

والظاهر أن الجهل بهذه المعاني المقامية هو الذي جعل اليهودي لا يفرق بين ما أخبر به تعالى من أن كل ما أصابنا به فهو من عند أنفسنا، وبين قول الكفار الذين يتطيرون بالرسول (ص) وصحبه. وفي السياق ذاته، يرد عليه قوله في تناقض الآيتين اللتين يقول فيهما تعالى { هَذَا يَوْمٌ لاَ يَنْطِقُون وَلاَ يُؤْذَنُ لهَمُ ْفَيَعْتَذِرُونَ } (المرسلات / 35 ) ، وقوله { يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا } (النحل / 11 ) ، إذ يبدو أنه يقف على خصوص قوله تعالى في سورة المرسلات. فالمنع من النطق، إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة أما الجدال، فله مواضعه أيضًا. يقول ابن حزم، موضحًا في إطار السياق اللغوي المعنى المقصود الذي توضحه الآيات التي يؤخذ بعضها برقاب بعض: إذ يقول تعالى: { انْطَلِقُوا إِلَىْ مَا كُنْتُمْْ بِهِ تُكَذِبُونْ، انْطَلِقُُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثلاث شِعَبٍ لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنيِ مِنَ اللّهبِ، إنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالقَصْرِ، كَأَنَّهُ جِمَالاَتٌ صُفْرٌ، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينْ هَذَا يَوْمٌ لاَ يَنْطِقُوْنَ وَلاَ يُؤْذَنَُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُون } (المرسلات / 29 - 36) ، فيه بعذر هكذا نص الآيات متتابعات لا فصل بينها فيصح أن اليوم الذي لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار وهو أول اليوم التالي ليوم القيامة الذي هو يوم الحساب، وهو أيضًا يوم جدال كل نفس عن نفسها" (1) . إن هذه النصوص تسمح بأن تكون أداة تأكيد على وظيفة القرائن الحالية، التي عبر عنها ابن حزم بعلم النفس وبديهيات العقل في تخصيص الدلالة العامة وتحديد معاني الوحدات الكلامية المنتجه كنصوص فقوله تعالى: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } (آل عمران:173) لا يمكن أن يحمل على معناه الحرفي إذ حال المخاطبين لا تحتمل أن يجمع لهم كل الناس على

(1) ابن حزم، الرد على ابن النغريلة، ص 48 و 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت