الصفحة 65 من 159

لكن ما يثير الاهتمام هنا طرحه لفكرة اختلاف البلاغة من جماعة إلى أخرى، وعدم توسعه في ذلك، وتركه السؤال حول سبب هذا الاختلاف عالقًا، وربما كان من المناسب القول في هذا المقام إن التنوع المقصود مرده اختلاف الأذواق باختلاف طبائع المجتمعات، والحال التي تعيشها في سلم التطور. ولعل هذا ما أدركه ابن خلدون دون غيره، حين ربط بين البلاغة والعمران في غير ما موضع (1) .

ويمكن تلخيص أهم آرائه البلاغية في النقاط التالية:

أ - اندماج البلاغة مع الكتابة:

وفي هذا السياق استشهد ابن حزم ببلاغات سهل بن هارون والجاحظ وابن شهيد.. (2) . ولا غرو أن يحدث تعالق بينهما، فكلاهما خروج عن حدود المألوف، فالبلاغة تجاوز لحدود القول المعهود في الشعر والنثر، والكتابة خرق لذلك الصمت الرهيب الذي تفرضه علينا اللغة المنطوقة !

ب - تزاوج البلاغة بالإقناع:

يقدم الإقناع عند ابن حزم على المنطق، ويقدم هذا الأخير الأدوات اللازمة لتقديم المقدمات وإنتاج النتائج، وبناء الألفاظ بعضها على بعض، وليست البلاغة إلا ذاك، باعتبار أنها تسعى مع التأثير في الآخر إلى إيصال الفكرة سليمة قوية مع البرهان الساطع (3) ، حتى إنها لا تكون إلا لذي الذهن اللطيف والذكاء النافذ، وهي أبعد ما تكون عن ذي البلادة والغباوة المفرطة (4) .

ج - السمة التعليمية للبلاغة:

أغلب الظن في رأينا أنه يوافق مذهب بشر بن المعتمر الذي يوصي طالب البلاغة بقوله: إن أمكنك أن تبلغ ببيان لسانك، وبلاغة قلمك، أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف على الدهماء، ولا تجفو على الأكفاء، فأنت البليغ التام (5) .

(1) ابن خلدون، المقدمة، ص 168 .

(2) ابن حزم، التقريب، ص 205 .

(3) ابن حزم، الفصل، 02 / 77 .

(4) ابن حزم، الفصل، 01 / 64 .

(5) الجاحظ، البيان والتبيين، 01 / 136 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت