الصفحة 67 من 159

كان ابن حزم مما أشار إلى أهمية اللغة في حقل المنطق والفلسفة، وله تصور مهم يدل على ما بين الدرس اللغوي والتفكير الفلسفي من أواصر، مما يجعل البحث اللغوي في جانب من جوانبه بحثًا فلسفيًا. ولا نكون مبالغين إذا قلنا بأنه شارك في تأسيس فلسفة خاصة باللغة العربية تختلف عن فلسفات لغوية أخرى، لها منطلقات مغايرة (1) . غير أن هذا لا يمنع كونه عرّف اللغة وناقش مسائل مهمة تتصل بها من وجهة نظر كلية شاملة، لا تخص العربية وحدها، بل سائر اللغات أيضًا، يقول:"... ويبدو أن إدراك الإنسان لحدود الأشياء والإبانة عنها بأسمائها معرفة نفسية مستقرة في الذهن الإنساني استقرارًا فطريًا" (2) . أما في سياق إبراز العلاقة بين القول وزمن إنتاجه، فيقول:"... وكذلك أجزاء القول إذا تكلمت عن حروفه ونظمه ومعانيه، فإن كل ما تكلمت به من ذلك فقد فني وعدم، وما لم تتكلم به من ذلك فمعدوم لم يحدث بعد، والذي أنت فيه من كل ذلك لا قدرة لك على إثباته ولا إمساكه ولا إقراره أيضًا أصلًا بوجه من الوجوه، لكن ينقضي أولًا فأولًا بلا مهلة" (3) .

(1) المقصود في هذا المقام المناظرة التي أوردها صاحب الإمتاع والمؤانسة في علاقة النحو بالمنطق، وأولية أحدهما على الآخر بن أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس المنطق، التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة تحقيق، أحمد أمين وأحمد الزين، مطبعة الإرشاد، بغداد 1970، 01/115، في إشارة إلى المنطق الأرسطي نتاج لغة معينة هي اليونانية، ولا يمكن بالتالي إسقاط مقولاته على لغة أخرى كالعربية مثلًا.

(2) ابن حزم، التقريب، ص 03.

(3) ابن حزم، التقريب، ص 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت