الصفحة 74 من 159

وفي ظل هذه القيمة التي يحتلها المنطق يتعاظم سلطان اللغة في التفكير وتصبح ألفاظها متساوقة مع معاني الفكر في شكل قوانين عامة تسدد الباحث عن معاني النصوص، دونما حاجة إلى التأويل أو البحث عن العلل الفاسدة وإقامة الأقيسة الخاطئة.

إن الفلسفة اللغوية التي ينطلق منها ابن حزم مبنية على البيان ذاته، والبيان ـ عنده ـ محصلة الجمع المنظم بين ألفاظ اللغة كما وردت ومعاني الذهن كما أودعها الخالق بالفطرة وغرسها في عقول الناس (1) . وهذا ما يؤكد عمق الصلة بين المنطق واللغة، وإن كنا نقر منصفين أنه لم يمض بعيدًا في شرح هذه المسألة الشائكة التي يعتبرها الفلاسفة المحدثون اليوم من أهم موضوعات فلسفة اللغة، وكان علينا أن ننتظر القرون الموالية ليظهر النحو الفلسفي الذي يتداخل فيه المنطق بالنحو لتتعمق العلاقة أكثر (2) .

وفي باب أقسام القضايا، يبين ابن حزم قيمة الدرس المنطقي في علاقته بعلوم الشرع، وفي الوقت نفسه، ينتصر لمذهبه الظاهري الذي يرفض القول بمفهوم الموافقة أو المخالفة أو ما يسميه آخرون بدليل الخطاب، يقول:".. ولم يوجب كل ذلك حكمًا على غير من ذكر، لا بموافقة ولا بمخالفة صح ما قلنا من أن القضية إنما تعطيك مفهومها، خاصة وأن ما عداها موقوف على دليله، وبطل قول من قال إن ما دعاها خارج عن حكمها وبطل أيضًا قول من قال: إن عداها داخل في حكمها (3) ".

ويطالعنا السفر الثاني من كتاب التقريب (4) بمعلومات هامة حول القضايا الشرطية، وهنا يظهر التمثيل الواضح بأمثلة فقهية بغرض استنباط الأحكام من النصوص استنباطًا دقيقًا مبنيًا على قوانين الكلام التي هي قوانين المنطق ذاته (5) .

(1) - ابن حزم، التقريب، ص03.

(2) - عبد الهادي عبد الرحمن، سلطة النص، قرارات في توظيف النص الديني، ص320.

(3) - ابن حزم، التقريب، ص97، 164.

(4) - ابن حزم، التقريب، ص125 وما بعدها.

(5) - ابن حزم، التقريب، ص124، 135، 137.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت