الصفحة 93 من 159

لما كان الأمر عنصرًا من عنصر الكلام، إضافة إلى أنواعه الأخرى، كالدعاء، والاستفهام، والخبر، ولما كان الكلام الوارد أمرًا يستدعي إرادة لدى الآمر فيه بأن يفعل المأمور ما أمر به، وهو معنى قائم في النفس، كان لا بد أن يكون للأمر عبارة دالة عليه يقوم بها التفاهم (1) . ويبدو أن اللغة لها قدرة التصريف في الأساليب، إذ يمكن أن يرد الأمر بلفظ الخبر، وبلفظ الاستفهام، كأن يقول الواحد للآخر: أتفعل أمر كذا، أو ترى ما يحل بك؟ ووجه ذلك أن الخبر عن الشيء إيجاب لما يخبر به عنه، والأمر إيجاب لفعل المأمور به فهذا اشتراك بين صيغة الخبر وصيغة الأمر، ومثاله في القرآن قوله تعالى: { وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } (آل عمران/97) . ومقصوده ليحج - أيها الناس - منكم من استطاع، أما إذا كان الخبر مجردًا مثل: قام زيد فهو لا يجوز ؛ لأنه تكذيب لهذا الخبر على حد تعبير ابن حزم (2) . ومن أمثلة ورود الأمر خبرا قوله تعالى:

{ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُوا الأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاِس أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ } (النساء/58 ) (3) . كما يمكن أن يرد الطلب في صور أخرى، كالندب بأن يرد لفظ"لو"أو بمدح الفاعل أو الفعل، كقوله تعالى:

{ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُونَ أَنْ يَتَطَهَرُوا } (التوبة/108) ، وفي هذا حثٌّ على مثل فعلهم، وإذا ورد اللفظ بـ: عليكم أو بأنه صدقة، فهو ندب أيضًا، ومنه قوله تعالى: { إلاَّ أَنْ تَصَّدَقُوا } (النساء/93) .

(1) -ابن حزم، الإحكام، 3/ 09 .

(2) - ابن حزم، الإحكام، 03/ 72، 73 .

(3) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 33 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت