الصفحة 96 من 159

وفي سياق آخر يقرر أن من مقتضيات بنية الطبيعة أن لا يحمل الخطاب على وجوه مختلفة، كأن يكون مباحًا وممنوعًا في الآن نفسه، أو مباحًا وواجبًا في الوقت نفسه، بل إن الأمر مراد به معنى مختص بلفظه وبنيته، وليس ذلك إلا كون ما خوطب به المأمور (1) . كما يرد على دليل الاشتراك اللفظي الذي اتبعه خصومه من المالكية والشافعية الذين توقفوا في دلالة الأمر بدليل النقل الشرعي، أفلا تراهم يفهمون من"أو"و"إن شئت"التخيير في قوله تعالى: { فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَليكْفُرْ } (الكهف/29) ، و { قُلْ كُونُوا حِجَاَرًة أوْ حَدِيدًا } (الإسراء/50) . وقد صحّ بالبرهان أن الآيتين لغير التخيير، فثبت لغة أنّ"أو"و"إن شئت"ليستا للتخير، وأن انصرافهما إلى أحد المعنيين مرده إلى السياق (2) ، فيكون لفظ الأمر بذلك موضوعًا للوجوب في اللغة، حتى يصبح دليل بنقله لغير ذلك (3) ويأخذ هذا الموقف بعدًا شموليًا في لسان كل قوم، إذ يقول: " لا يعقل أحد من أهل كل لغة، أي لغة كانت، من لفظة افعل أو اللفظة التي يعبر بها في كل لغة عن معنى: افعل، ولا يفهم منها أحد لا تفعل، ولا يعقل منها أحد من لفظة لا تفعل أو مما يعبر به من معنى لا تفعل لا يفهم منها أحد افعل " (4) .

(1) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 04 .

(2) - ابن حزم، الإحكام، 3/ 06 .

(3) -ابن حزم، الإحكام، 3/ 07 .

(4) - ابن حزم، الإحكام، 3/ 13 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت