فهرس الكتاب
كما يتطرق في هذا السياق لآراء بعض العلماء، ممن حملوا أوامر كثيرة على وجوبها مكتفين بظاهر لفظها بغير قرينة ولا دليل، حتى قادهم ذلك إلى إيجاب فرائض من غير أوامر (1) . ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِْن يَوْمِ الُجُمَعِة فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوا البَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونْ } (الجمعة / 09 ) ، إذ فسره المالكية بأن لفظة"ذروا"لا تقع إلا للفرض، ومنه أبطلوا البيع ولم يقنعوا بذلك حتى أبطلوا من غير نص النكاح والإجارة.
ويبدو أن ما ذهب إليه هؤلاء - من وجهة نظر حزمية - مغالطة لا يمكن السكوت عليها، إذ أن لفظة"ذر"في قوله تعالى: { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونْ } ( الأنعام /91) لا توجب ترك الكفار على حال دون وعظ أو دعاء أو قتل ... وقد قال: { وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } (البقرة/183 ) ، و { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ } (البقرة /178) .
ويدحض ابن حزم، في سياق إثبات صيغة للعموم، زعم من نفى اقتضاء العموم لصيغة معينة بحجة دخول التأكيد عليه، ولو كان بعبارة أخرى، العموم مستقلًا بصيغة، لاكتفى النص بذلك دون الاستعانة بالتأكيد. والحقيقة أن هذا الأسلوب متعارف عليه في لغة العرب، رام الله عز وجل إيراده في النص القرآني، لعلمه بأناس كثيرين يرومون إبطال الحقائق، على أن ذكر الخبر مرة واحدة لا يبطل حجيته أمام ما ذكر آلاف المرات (2) .
(1) - ابن حزم، الإحكام 3 / 39 .
(2) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 105 .