الصفحة 98 من 159

وأما دخول الاستثناء على العموم، فمن موجبات اللغة العربية، ويقتضي ذلك الخروج بالدلالة من عمومها إلى خصوصها، يقول: لأن العموم صيغة ورود اللفظ الجامع لأشياء ركب ذلك اللفظ عليها، فإذا جاء الاستثناء، كان ذلك اللفظ مع الاستثناء معًا صيغة للخصوص " (1) . وبعبارة بسيطة نمثل الدلالة الخاصة بـ:

صفة العموم ... ... استثناء ... ... ... تخصيص

كما يدخل الاستفهام على العموم، وذهب بعض العلماء إلى أن اللفظ لا يقتضي العموم إذا حسن فيه الاستفهام، وقد عكس ابن حزم هذه المقولة، مبينًا أنه لو كان اللفظ يفهم منه الخصوص لما كان للاستفهام معنى، ومثاله قول القائل: أتاني اليوم زيد، وردّ السامع: أجاءك زيد نفسه؟ إما على سبيل الإكبار وإما على سبيل السرور .. (2) .

وتتضح الصورة أكثر بعد إيرادنا لنص ابن حزم، الذي يبين حقيقة مذهبه في العموم، إذ يقول: " إنما قلنا بالعموم استدلالًا بضرورة العقل الحاكم، بأن اللغة إنما هي أن رتبت لكل معنى في العالم عبارة مبينة عنه، موجبة للتفاهم بين المخاطب والمخاطب، ولأننا وجدنا الأجناس العامة للأنواع الكثيرة، ووجدنا الأنواع العامة للأشخاص الكثيرة يخبر عنها بأخبار، وترد فيها الشرائع لوازم، فلا بد ضرورة من لفظ يخبر به عن الجنس كله .. ولا بد أيضًا من لفظ يخبر به عن بعض ما تحت الجنس، ليفهم المخاطب بذلك ما يريد " (3) .

وأما غيره، فيبدو أنهم تعلقوا بأن وجدوا ألفاظًا خارجة عن موضوعها في اللغة، إما بالمجاز بالاشتراك في المعنى، فراموا إبطال وقوع الأسماء على مسمياتها من جهة، وعمومها لكل ما علق عليها من جهة ثانية، وعدوا بتوقفهم هذا بمنزلة من قال: لما وجدت في الكلام كذبًا كثيرًا، فأنا أحمله على الكذب كله، أو أن أقف فلا أصدق بجميعه (4) .

(1) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 107 .

(2) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 107 .

(3) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 109 .

(4) - ابن حزم، الإحكام، 03 / 125 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت