فهرس الكتاب
قال تعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم } ، المراد من هذه الآية أن يستعيذ الإنسان من الشيطان قبل قراءة القرآن، فالمعنى: إذا أردت قراءة القرآن. ولا يَمنع ذلك من أن يكون المرادُ كذلك أن يستعيذ منه بعد القراءة، كما قال الرازي [1] رحمه الله؛ لئلا يتسرب إلى النفس شيءٌ من العجب.
ومن سمات السلف احتقار النفس والإزراءُ بها، فهذا من التواضع الذي يحبه الله.
في الصحيحين -في قصة الإفك- قالت عائشة - رضي الله عنه -:"وكنت أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا".
وهي من؟ التي سبح الله نفسه لما رماها الناس { وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } .
ولما رأى بكر بن عبد الله المزني الناس في عرفة قال:"لولا أنا فيهم لقلت: قد غفر الله لهم"، وهو من هو رحمه الله.
فينبغي أن يكون لسان حال المؤمن: من أولى بنار الله مني؟ إن المؤمن جمع إحسانا وخوفا، والمنافق جمع إساءة وأمنا.
وقد نظر عمر بن الخطاب إلى أبي بن كعب رضي الله عنهما ومعه ناس، فعلاه بالدِّرة، فقال: يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ قال:"إنها فتنة للتابع، ومذلة للمتبوع".
وفي الأثر:"إعجاب المرء بنفسه من الخيلاء".
وكل من رأى أن لنفسه فضلا على الناس فله نصيب من العُجب والعياذ بالله. ولهذا فُسِّر التواضع بقولهم: أن لا ترى أحدًا إلا وظننت أن له عليك فضلًا.
(1) / التفسير الكبير (20/92) .