فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 27

النبي - صلى الله عليه وسلم - يعيش يتيمًا

ليكن اليتيم آخذًا عبرة ودرسًا بشحذ الهمة واقتفاء سير نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي عاش يتيمًا فلم يكن يتمه مانعًا له من الجد والاجتهاد وحتى كان - صلى الله عليه وسلم - قائد البشرية ومعلم الإنسانية.

لقد عاش - صلى الله عليه وسلم - يتيمًا حيث مات والده وهو في بطن أمه آمنة، ثم ماتت أمه آمنة وهو ابن ست سنين، ورغم ذلك كان - صلى الله عليه وسلم - ناجحًا في حياته كلها أعظم نجاح، وما أحسن قول جمال الدين بن جلال الدين الجوزي رحمه الله تعالى [1] :

فضل النبيين الرسول محمد ... شرفًا يزيد وزادهم تعظيمًا

در يتيم في الفخار وإنما ... خير الآلي ما يكون يتيمًا

ساد النبيين الكرام وكلُّهم ... صلَّوا عليه وسلموا تسليمًا

والله قد صلى عليه كرامة ... صلُّوا عليه وسلموا تسليمًا

وبدت عليه صلوات الله وسلامه عليه أمارات التوفيق منذ أيامه الأولى، وما أحسن قوله:

وبَدَتْ في رضاعه معجزاتٌ ... ليس فيها عن العيون خفاءُ

إذْ أتته ليتمه مرضعاتٌ ... قلن ما في اليتيم عنا غناء

فأتته من آل سعد فتاةٌ ... قد أبتها لفقرها الرضعاء

أرضعته لبانها فسقتها ... وبنيها ألبانَهنَّ الشاءُ [2]

* أبو هريرة - رضي الله عنه -

وهذا أبو هريرة الصحابي الحافظ والإمام النجيب يقول عن نفسه - رضي الله عنه - كما في «حلية الأولياء» [3] مبينًا توفيق الله تعالى له رغم يتمه: «نشأتُ يتيمًا وهاجرت مسكينًا، وكنتُ أجيرًا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا، وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا» .

عبد الله ذو البجادية

أحد الصحابة الأبرار، قال عنه ابن حجر في «الإصابة» [4] كان يتيمًا في حجر عمه، فلما أسلم عبد الله نزع منه كل شيء أعطاه حتى جرده من ثوبه، فأتى أمه، فقطعت له بجادًا لها باثنتين، فاتزر نصفًا وارتدى نصفًا، وعلى الرغم من هذا العناء الذي عاناه هذا الصحابي اليتيم إلا أنه واصل المسيرة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مجاهدًا مناضلًا، ولم يكن يتمه مانعًا له من ذلك، يقول ابن حجر: كان ابن مسعود - رضي الله عنه - يحدث يقول: «قمتُ في جوف الليل في غزوة تبوك، فرأيتُ شعلة من نار في ناحية العسكر فانتبهتُ فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وإذا عبد الله ذو البجادين - رضي الله عنه - قد مات، فإذا هم قد حفروا له ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حفرته، فلما دفناه،

(1) نفح الطيب.

(2) السيرة الحلبية (1/149) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت