قَالَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ قَالَ"ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ".
قَالَ فَقَالَ"صَوْمُ ثَلاَثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ".
قَالَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ"يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ".
قَالَ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ"يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ".
ثم قال"وعرفة لغير من بها"
أي يسن صيام يوم عرفة ولا يجب؛ لكن لغير الحاج , فقال"لغير من بها"ولعلَّ الحكمة من ذلك أنه يوم عيد لمن بها؛ فلا يسن لهم صيامه , ولكي يتقووا على العبادة والدعاء في ذلك اليوم.
ويوم عرفة هو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة وورد في صيامه أحاديث منها ما ذكر قبل قليل.
ثم قال"وعاشوراء"
أي يسن صيام يوم عاشوراء ولا يجب؛ ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم وورد في فضل صيامه أحاديث منها ما ذكر قبل قليل وما عند مسلم [2714] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟"
فَقَالُوا هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ".
فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
وهو يوم معروف قبل الإسلام؛ ودليل ذلك ما ذكرناه من حديث عائشة في معرفة أهل الجاهلية للصوم قبل الإسلام؛ فإنهم كانوا يصومونه.
ولا حرج في إفراده , وإن كان مكروهًا عند بعض العلماء لمشابهة اليهود؛ فإنهم يفردونه والشرع يتطلع لعدم مشابهة الكفار في شيء من
عبادتهم , كما أن الأفضل صيام يوم قبله أو بعده.
أما ما يذكره البعض أن أرفع المنازل هو صوم اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر! فلم يثبت فيه دليل؛ لعدم ورود الشرع بذلك , أما إن أراد بصيامه ثلاثة أيام من كل شهر فلا بأس ويحصل له أجرها - بإذن الله - وفضل الله واسع , فمن ذا الذي يحجبه!
ثم قال"والاثنين والخميس"
أي ويسن صيام يوم الاثنين والخميس , ويوم الاثنين آكد من يوم الخميس فقد ورد عند مسلم [2807] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ صَوْمِ الاِثْنَيْنِ فَقَالَ"فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ".
وفيهما جميعا ورد عند الترمذي [752] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ"قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ثم قال"وستة من شوال"
أي ويسن صيام ستة من شوال ودليل ذلك ما ورد عند مسلم [2815] عَنْ عُمَرَ، بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَزْرَجِيِّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، - رضي الله عنه - أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ".
ثم قال رحمه الله"وليلة القدر في العشر الأخير رمضان, والوتر آكد, وأرجاه ليلة سبع وعشرين ويدعو بالعفو"
انتهى المصنف رحمه الله تعالى من ذكر ما يسن صومه ثم بدأ بذكر ما يسن فعله في شهر الصيام , والتنبيه إلى أفضل الأعمال في هذا الشهر فقال"وليلة القدر في العشر الأخير من رمضان"
أي أن ليلة القدر هي في العشر الأخير من رمضان خلافا لمن قال بأنها في الشهر كله وأنها تتنقل!
ودليل ذلك ما ورد عند مسلم [2833] عَنْ عَائِشَةَ، - رضي الله عنها - قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ"الْتَمِسُوا - وَقَالَ وَكِيعٌ - تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ".
ولهذه الليلة من الفضل العظيم ما لا يحصى؛ ومن ذلك ما ورد في كتاب الله تعالى في سورة الدخان قوله تعالى) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (الآية:4