ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري [1935] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ"مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
ثم قال"والوتر آكد"
الوتر هي الأعداد الفردية والأعداد الزوجية تسمى شفع. ودليل أنها آكد ما ورد عند مسلم [2820] عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، - رضي الله عنه - قَالَ رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا".
ثم قال"وأرجاه ليلة سبع وعشرين"
أي أن أرجى هذه الليالي هي ليلة سبع وعشرين وعليه الأكثر ودليل ذلك ما ورد عند مسلم [2835] عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ، - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ أُبَىٌّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهَا - قَالَ شُعْبَةُ وَأَكْبَرُ عِلْمِي - هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقِيَامِهَا هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
ووردت أحاديث أخرى تدل على خلاف ذلك؛ فالذي يظهر - جمعًا بين الأدلة - أنها تتنقل في العشر الأخير من رمضان.
ثم قال"ويدعو بالمغفرة"
أي يسن له في هذه الليالي الدعاء بالعفو والإكثار من ذلك؛ ودليل هذا ما ورد عند الترمذي [3855] عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَىُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ"قُولِي اللَّهُمَّ اِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي". قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ثم قال رحمه الله"فصل .. كره إفراد رجب والجمعة والسبت والشك والدهر وكل يوم يعظمه الكفار ما لم يوافق عادة"
بعدما انتهى المصنف من ذكر ما يسن صومه ناسب أن يذكر ما يكره صومه فقال"كره إفراد رجب"أي يكره إفراد شهر رجب بالصوم لعدم ورود ذلك في الشرع والعبادة توقيفية فلابد من دليل يثبت مشروعيتها ولا دليل.
فلا يشرع فيه صيام ولا قيام وليس فيه أي فضل ..
أما إن جمع معه غيره كأن تكون عادته صوم يوم وإفطار فيجوز له ذلك لأنه لم يفرده بالصوم ولم يخصه بذلك.
ثم قال"والجمعة"
أي يكره إفراد يوم الجمعة بالصيام؛ ودليل ذلك ما ورد عند مسلم [2737] مَنْ مُحَمَّدِ، بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما -وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ.
ثم قال"والسبت"
أي ويكره إفراد صيام يوم السبت؛ لعدم ورود تخصيص هذا اليوم بفضل, أما إن كان فرضًا فله أن يصومه؛ فإن ذلك جائز. والله أعلم
ثم قال"والشك"
أي ويكره صيام يوم الشك.
ويوم الشك هو: يوم الثلاثين من شعبان إذا مَنَعَ من رؤية الهلال قترٌ أو غيمٌ.
فإذا لم يكن كذلك كأن تكون ليلته صحوا ولم ير فإنه يجوز صيامه.
ودليل منع صيام يوم الشك ما ذكر سابقا من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنهما فإنه حكم على من صامه بالمعصية , والمعصية ذنب فإن صامه على أنه من رمضان فإنه لا يجوز كما بيِّنا سابقا. والله تعالى أعلم.
ثم قال"والدهر"
أي يكره صيام الدهر؛ والدهر هو: أيام السنة.
أي يكره صيام أيام السنة على التوالي ودليل ذلك الحديث الذي ذكر سابقا.
ثم قال"وكل يوم يعظمه الكفار ما لم يوافق عادة"
أي يكره صيام كل يوم يقدسه الكفار ويعتبرونه عظيما عندهم ما لم يوافق هذا اليوم عادة مشروعة يعملها الإنسان.
ثم قال رحمه الله"ويحرم صوم العيدين وأيام التشريق, لا لمن تمتع ولم يجد هديا"
انتقل رحمه الله بعد أن ذكر ما يسن صومه ومما يكره صومه إلى ما يحرم.
فقال"ويحرم صوم العيدين"
أي عيد الفطر وعيد الأضحى؛ ودليل ذلك ما ورد عند مسلم [2728] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ.
وورد مثله من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه برقم [2730] .