ووردت علة الفطر في الحديث كما عند البخاري [2029] ومسلم [2727] عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَنَّهُ قَالَ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - فَجَاءَ فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ إِنَّ هَذَيْنِ يَوْمَانِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ صِيَامِهِمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَالآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ.
ثم قال"وأيام التشريق"
أي يحرم صيام أيام التشريق وهي الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر وسميت بهذا الاسم لأن الناس في السابق كانوا يشرقون اللحم أي ينشرونها ويضعون عليها الملح لتحفظ وهو القديد الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم كما عند ابن ماجه [3437] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ فَقَالَ لَهُ"هَوِّنْ عَلَيْكَ فَاِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ".
ولأنها أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى؛ كما ورد عند مسلم [2733] عَنْ نُبَيْشَةَ، الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ". وزاد"وذكر لله".
ثم قال"لا لمن تمتع ولم يجد هديا"
معلوم أن من حجَّ متمتعًا أو حتى قارنًا فعليه هدي؛ فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع؛ فجاز له الصيام فيها كما ذكر الله تعالى في سورة البقرة) فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ(الآية196.
وما ورد عند البخاري [2037] وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ـ رضي الله عنهم ـ قَالاَ لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ، إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْىَ.
ثم قال رحمه الله"وسن لمن تطوع بعبادة إتمامها إلا الحج والعمرة فيجب إتمامها وقضاء فاسدهما"
أي يسن لمن شرع في العبادة إتمامها ولا يلزمه إتمامها , بل هو على التخيير؛ لكن الأفضل ألا يقطعها إلا بعذر شرعي تعظيما للعبادة التي هو فيها , ولقوله تعالى في سورة محمد) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(الآية 33.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرع في عبادة ثم قطعها كما عند مسلم [2771] عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ"هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ". فَقُلْنَا لاَ. قَالَ"فَاِنِّي إِذًا صَائِمٌ". ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ اُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ. فَقَالَ"أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا". فَأَكَلَ.
قال"إلا الحج والعمرة فيجب إتمامها وقضاء فاسدهما"
أي أن الحج والعمرة تستثنى من هذا الحكم فيلزم المضي فيهما؛ بل وقضاء ما فسد منهما , ودليل ذلك قوله تعالى في سورة البقرة
)وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ(الآية 196.
فيجب الإتمام والقضاء إن أفسدهما سواء بجماع أو نحوه.
ثم قال رحمه الله"والفطر في الفرض لمرض يشق وسفر قصر وخوف حامل أو مرضع على نفسيهما فتقضي وعلى ولدهما فتقضي وتطعم مسكينا لكل يوم والهرم ومن لا يرجى برؤه يطعم فقط"
بدأ المصنف رحمه الله بذكر الأسباب التي يشرع فيها قطع العبادة وخصوصا الصوم فقال"والفطر في الفرض لمرض يشق"
أي يجوز للصائم صوم فرض الفطر إذا مرض مرضا يشق عليه أما إن كان الصوم سببا في هلاكه وكان هذا بإشراف طبي فإنه يحرم عليه الصيام ولا يجب عليه.
ويفهم منه أنه في صيام النفل لا يشترط للإفطار المرض الشاق.
ودليل ذلك ما ورد في سورة البقرة) مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (الآية 184.
ثم قال"وسفر قصر"
أي يسن للصائم المسافر سفر قصر الفطر؛ ودليل ذلك ما ورد عند مسلم [2685] من حديث حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُ بي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَىَّ جُنَاحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ". قَالَ هَارُونُ فِي حَدِيثِهِ"هِيَ رُخْصَةٌ". وَلَمْ يَذْكُرْ مِنَ اللَّهِ.
ثم قال"وخوف حامل أو مرضع على نفسيهما فتقضي"
أي إذا خافت الحامل أو المرضع على نفسها الضرر بسبب الصوم فلها أن تفطر وتقضي بعد وضعها أو بعد فطام ولدها.
ثم قال"وعلى ولدهما فتقضي وتطعم مسكينا لكل يوم"