الصفحة 17 من 71

أي إن أفطرت الحامل أو المرضع بسبب خوفها على ولدها لا على نفسها؛ فإنها تقضي الأيام التي أفطرت فيها لاستطاعتها على القضاء وتطعم مسكينا عن كل يوم.

والصحيح أنه لا كفارة عليهما بل عليهما القضاء فقط؛ لأنهما أفطرتا بسبب شرعي مقبول؛ فلا كفارة في حقهما , ولأن الكفارة عن إثم ولا إثم هنا.

وهناك قول آخر أنها تطعم ولا تقضي؛ لكن الصحيح القضاء عليهما ولا كفارة.

ثم قال"والهرم ومن لا يرجى برؤه يطعم فقط".

أي من كان هرمًا وهو من كبر سنه ورشده معه أو من كان مريضًا مرضًا لا يرجى الشفاء منه , ولا يستطيع كل منهما الصيام , وهذا ما يطيقانه فلهما الفطر ويطعما عن كل يوم مسكينا.

وكل من سقط عنه التكليف فقد سقط عنه القضاء والإطعام؛ لأنها من التكاليف ولا تكليف عليه.

ودليل الإطعام فعل أنس رضي الله عنه؛ فإنه عندما كبر وعجز عن الصيام صنع طعاما ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم إياه.

ثم قال"ويقضي المغمى عليه إلا المجنون"

لأن الصوم يحتاج إلى نية , وهذا أغمي عليه قبل وجوب الإمساك.

والخلاف واقع في قضاء من كانت هذه حاله وتعرضنا لها سابقا؛ فالمصنف رحمه الله يرى وجوب القضاء عليه.

والقول الثاني: أنه لا قضاء في حقه؛ وهذا هو الأظهر لسقوط التكليف عنه في هذه الحالة وفقدانه العقل أشبه المجنون.

واستثنى المجنون لفقدانه العقل وهو أحد شروط التكليف, والمجنون رفع عنه القلم والتكليف؛ كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أحمد [910] والترمذي [1488] والبخاري تعليقا في باب الطلاق في الإغلاق عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَعْتُوهِ أَوْ قَالَ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَشِبَّ.

وسبق أن ذكرنا أنه متى ما توفرت شروط التكليف لزمه الإمساك ولا قضاء عليه.

ثم قال المصنف رحمه الله"باب الاعتكاف"

أي هذا باب الاعتكاف؛ والاعتكاف هو: لزوم الشيء.

وفي الشرع عرفه المصنف فقال:"هو سنة ولزوم المسجد للطاعة"

أي حكم الاعتكاف سنة وهو لزوم المسجد لعبادة الله تعالى.

ولم يخصص بزمن معين؛ لكن يتأكد في العشر الأواخر من رمضان. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف في رمضان وفي غيره وأمر بذلك؛ ومن ذلك ما ورد عند البخاري [2065] ومسلم [2841] عَنْ عَائِشَةَ، - رضي الله عنها - أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.

ثم قال رحمه الله"ويجب بالنذر, وإنما يصح بنية, ومسجد جماعة ممن تلزمه في مدة اعتكافه"

أي أن الاعتكاف سنة لكن يجب بالنذر لأن الاعتكاف طاعة؛ وورد عند البخاري [6780] أَنَّ عُمَرَ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ اَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ"أَوْفِ بِنَذْرِكَ."

ولما ورد عند البخاري [6783] عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ".

قال رحمه الله"وإنما يصح بنية"

لأنها عبادة والأعمال بالنيات.

ثم قال"ومسجد جماعة ممن تلزمه في مدة اعتكافه"

أي أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد تقام فيه صلاة الجماعة , إذا كانت صلاة الجماعة ممن تلزمه وقت اعتكافه؛ فأخرج المعذور في ترك الجماعة , وكذا المرأة؛ لأن المرأة لا جماعة في حقها , أما إن اعتكف في وقت لا صلاة فيه فيجوز له ذلك؛ كمن يعتكف بعد الفجر إلى قبل الظهر.

ثم قال"ومن المرأة في كل مسجد سوى مسجد بيتها"

أي ويصح من المرأة الاعتكاف في أي مسجد ولو لم تقم فيه الجماعة إلا المكان الذي تتخذه في بيتها لأداء الصلاة فلا تعتكف فيه والصحيح أن المكان الذي تصلي فيه في بيتها لا يعد مسجدا.

ويدل على جواز اعتكاف المرأة حديث عائشة السابق.

ثم قال رحمه الله"ولو نذرا شهرا مطلقا لزمه متتابعا والشروع قبل ليلته"

أي أن من نذر أن يعتكف شهرًا , ولم يُقيِّد ذلك بشيء لزمه أن يعتكف شهرًا متتابعًا؛ لأنه هو الذي يصدق عليه مسمى الشهر. هذا قول.

والقول الثاني: إن أطلق فإنه يلزمه العدد ولو قضاه متفرقا؛ وهو الذي يترجح لأنه الأصل.

ويفهم من كلام المصنف أن التتابع لا يلزم إن ذكر العدد حتى لو كانت ثلاثين يوما.

والقول الآخر أنه يلزمه التتابع.

ويلزمه أن يدخل معتكفه أو يعتكف قبل ليلته الأولى؛ فإنه لو كان سيعتكف ابتداء من السبت فإنه يلزمه أن يشرع في الاعتكاف قبل ليلة السبت أي قبل أن تغرب شمس يوم الجمعة , ولا يخرج إلا بعد غروب الشمس من ليلة العيد وهو الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت