الصفحة 50 من 71

وفي المسند عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".

وفي الصحيحين ما معناه:"أن رجلًا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم: إني رجل أكثر الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال:"إن أفطرت فحسن، وإن صمت فلا بأس". وفي حديث آخر"خياركم الذين في السفر يقصرون ويفطرون"."

أما مقدار السفر الذي يقصر فيه ويفطر:

فمذهب مالك والشافعي وأحمد أنه مسيرة يومين قاصدين بسير الإبل والأقدام، وهو ستة عشر فرسخا، كما بين مكة وعسفان، ومكة وجدة، وقال أبو حنيفة:"مسيرة ثلاثة أيام".

وقال طائفة من السلف والخلف: بل يقصر ويفطر في أقل من يومين.

وهذا قول قوي، فإنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعرفة، ومزدلفة ومنى، يقصر الصلاة، وخلفه أهل مكة وغيرهم يصلون بصلاته، لم يأمر أحدًا منهم بإتمام الصلاة.

وإذا سافر في أثناء يوم، فهل يجوز له الفطر؟

على قولين مشهورين للعلماء، هما روايتان عن أحمد.

أظهرهما: إنه يجوز ذلك.

كما ثبت في السنن أن من الصحابة - رضوان الله عليهم - من كان يفطر إذا خرج من يومه، ويذكر أن ذلك سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نوى الصوم في السفر، ثم إنه دعا بماء فأفطر، والناس ينظرون إليه.

وأما اليوم الثاني: فيفطر فيه بلا ريب، وإن كان مقدار سفره يومين في مذهب جمهور الأئمة والأمة.

وأما إذا قدم المسافر في أثناء يوم ففي وجوب الإمساك عليه نزاع مشهور بين العلماء؛ لكن عليه القضاء سواء أمسك أو لم يمسك.

ويفطر من عادته السفر، إذا كان له بلد يأوي إليه، كالتاجر الجلاب الذي يجلب الطعام، وغيره من السلع، وكالمكاري الذي يكري دوابه من الجلاب وغيرهم، وكالبريد الذي يسافر في مصالح المسلمين، ونحوهم.

وكذلك الملاح الذي له مكان في البر يسكنه.

فأما من كان معه في السفينة امرأته، وجميع مصالحه، ولا يزال مسافرًا فهذا لا يقصر، ولا يفطر.

وأهل البادية: كأعراب العرب، والأكراد، والترك، وغيرهم الذين يشتون في مكان، ويصيفون في مكان، إذا كانوا في حال ظعنهم من المشتى إلى المصيف، ومن المصيف إلى المشتى: فإنهم يقصرون.

وأما إذا نزلوا بمشتاهم، ومصيفهم، لم يفطروا، ولم يقصروا. وإن كانوا يتتبعون المراعي، والله أعلم.

[[مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (25/ 209 - 213) ] ]

لو كنت سأسافر في رحلة لمكان يبعد 100 ميل أو أكثر، فكم ركعة سنصلي قبل وبعد السفر؟ أعتقد أنها ركعتان قبل وبعد الرحلة (أليس كذلك؟)

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لم يأتِ في السنَّة النبوية تحديد لمسافة السفر، وقد اختلف العلماء في تحديدها اختلافًا كبيرًا، والصحيح: أن مرجع ذلك إلى عرف كل بلد، فما تعارف الناس على أنه سفر فهو السفر الذي يكون فيه الفطر والقصر، وهذا القول قد اختاره جماعة من المحققين , منهم ابن قدامة المقدسي وشيخ الإسلام ابن تيمية، وانظر في هذا أجوبة الأسئلة: (10993) و (38079) .

ثانيًا:

المسافر لا يترخص بأحكام السفر إلا إذا خرج من بلده وجاوزها، ويظل يترخص بتلك الرخص ما دام مسافرًا حتى يرجع إلى بلده.

فلا يجوز له أن يقصر الصلاة إلا أن يتجاوز بنيان بلده أو عامر قريته، ولا يحل له القصر وهو في بيته أو بلده.

واختلف العلماء في الفطر، فجوَّز بعضهم له الفطر إذا عزم على السفر عزمًا مؤكدًا وجهز راحلته، ومنع منه الجمهور فلم يجوزوا الفطر إلا حيث جاز له القصر وهو مجاوزة البنيان، وهذا القول هو الأقوى والأحوط.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"هل يشترط أن يفارق قريته إذا عزم على السفر وارتحل، فهل له أن يفطر؟"

الجواب: في هذا أيضًا قولان عن السلف.

ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الفطر إذا تأهب للسفر ولم يبق عليه إلا أن يركب، وذكروا ذلك عن أنس رضي الله عنه أنه كان يفعله، وإذا تأملت الآية - أي: قوله تعالى (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر) - وجدتَ أنه لا يصح هذا؛ لأنه إلى الآن لم يكن على سفر، فهو الآن مقيم وحاضر.

وعليه: فلا يجوز له أن يفطر إلا إذا غادر بيوت القرية. . .

أما قبل الخروج: فلا؛ لأنه لم يتحقق السفر.

فالصحيح: أنه لا يفطر حتى يفارق القرية، ولذلك لا يجوز أن يقصر الصلاة حتى يخرج من البلد، فكذلك لا يجوز أن يفطر حتى يخرج من البلد"انتهى."

"الشرح الممتع" (6/ 346) .

وعليه: فلا يجوز لمن عزم على السفر أن يقصر في بيته؛ لأن القصر من أحكام السفر ورخصه، وهو في بيته ليس مسافرًا، وهذا قول جمهور العلماء، وفي المسألة أقوال شاذة مثل قول من قال بجواز القصر وهو في بيته، وقول من قال إنه لا يقصر إذا سافر في النهار إلا أن يدخل الليل، وقول ثالث وهو أنه يجوز له القصر إذا جاوز حيطان داره.

قال النووي رحمه الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت