فهرس الكتاب
ومن هؤلاء العلماء رجال بلغوا في علوم الشريعة الذروة، منهم الإمام أبوالحسن علي سيف الدين الآمدي، وأبو عبدالله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، والإمام أبو عبدالله المعروف بالمازري؛ فقد كان هذا العالم كما قال في ترجمته: يُفْزَعُ إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه، والفيلسوف محمد ابن أحمد بن رشد، وهو مؤلف =بداية المجتهد+ في الفقه، وكتاب =الكليات+ في الطب، والعلامة موفق الدين عبدالمطلب البغدادي، فقد كان يجمع بين الفقه والطب.
وظهرت عناية العلماء بهذه الصناعة في الإقبال على تدريسها والتأليف فيها.
وعني أمراء الإسلام بالطب، ولهذه العناية أربعة مظاهر:
أولها: تقريب الأطباء على اختلاف مللهم، وإسعادهم بالأرزاق الواسعة، والمناصب العالية، فقد نال عبدالملك بن أبحر الكناني لدى عمر بن عبدالعزيز حظوة، وكان عمر يستطبه، ويعتمد عليه في صناعة الطب، ونال ابن أثال حظوة عند معاوية بن أبي سفيان، فكان معاوية يستطبه، ويحسن إليه، ويكثر من محادثته.
ومن عناية سيف الدولة بالأطباء أنه كان يَحْضُر على مائدته أربعة وعشرون طبيبًا، وقد يبلغ الطبيب أن يكون رفيع الشأن في دولة، فإذا تغيرت وقامت دولة أخرى مكانها استمرت منزلته في رفعة واحترام، كأبي بكر بن زهير؛ كان ذا حظوة في دولة المرابطين بالمغرب، ولما خلفتها دولة الموحدين لقي من هذه الدولة _ أيضًا _ الإقبال والإكرام.
أما إحرازهم المناصب العالية، فقد تولى الطبيب رفيع الدين الحلبي منصب قاضي القضاة بدمشق، وتولى ابن المرخم يحيى بن سعد منصب قاضي القضاة في أيام المقتفي بدمشق، وكان طبيبًا في المارستان المحمول، وفصَّادًا فيه.
وتولى الوزارة في عهد يعقوب المنصور سلطان المغرب أبو بكر بن نصر، وهو _ كما قالوا _ بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين.