فهرس الكتاب
وآية لها أنك ترى كيف عجز السيف على سعة الزمن أن يحول أمة عن لغتها، وقد استطاعت _ ولم تجرد سيفًا _ أن تشق لها طريقًا إلى ألسنة أعيا على غيرها علاجُها، وتقتحم العقبات إلى قلوب كان محكمًا عليها رِتَاجُها (1) ؛ فكأنها كانت دينًا لفطرة الألسنة لتكون بعد ذلك لسانًا لدين الفطرة، ولا عجب إذا قَدِرتْ أن تصبغ كل بلد حَلّتْ به صِبْغَةً عربيةً إذ قالت لكل شيء: كن منذ الآن، فكان عربيًا.
دخلت لغة القرآن الكريم كثيرًا من بقاع الأرض، فما هي إلا فترة يبلغ الصبي في دونها الحلم حتى استتب لها الأمر فيها، وكانت كأنها محورٌ دارَ عليه التاريخ دورة أخرى ترى أين كانت العربية، ثم أين بلغت؟
لقد كانت بدأةً تطوف بأركان تلك الجزيرة الجرداء على صفة ما كانت تأخذه أعين الناطقين بها من الفَدْفَد الوعر، والمَهْمَهِ القفر، ومن الفحل إذا هدر، والليث إذا زأر، والحمامة إذا سجعت، والناقة إذا ضبغت، والريح إذا لفحت، والسماء إذا ضنَّت، والأرض إذا حرَّت، والمكارم إذا هزَّت، والخيل إذا استنت، والأسنة إذا اشتجرت، ونحو هذا مما هو بتلك البادية أشبه وأمثل.
نعم، كان هنالك مطاف اللغة في بادئ أمرها، ولكنها من سماء تلك البادية الناطقة الخرساء قد استمدت ذلك الخيال الذي يريك من الورد الذابل خدًَّا نديًَّا، ومن الغصن المائل قدًَّا عادلًا سمهريًَّا.
ثم سما ذلك الخيال الذي كان كأنه يواثب النجوم فلم يدع تشبيهًا بليغًا إلا وقع من ورائه، ولا فنًَّا من فنون القول إلا بلغ الغاية من الافتنان فيه، ولم يذر معنىً دقيقًا إلا أحكم تصويره، حتى بذَّت العربية اللغات على بكرة أبيها.
(1) الرتاج: القُفل. (م)