فهرس الكتاب
لقد وسعت اللغة العربية ما تضيق ببيانه هذه الأوراق فكانت وما فتئت تساير كل آخذ بِحُجْزَتِها إلى كل غرض يمشي إليه، فلم تضق ذرعًا باصطلاح، ولا برمت بالكشف عن معنى، ولا نشزت على قلم غَذَتْهُ بِلَبانها، ولا وقع بها العِيُّ دون حاجة، فلم تنهض ببيانها.
أما أين بلغت، فكل مبلغ؛ فقد تسربت بين العصا ولحائها، وتغلغلت بين الذَّرة وأجزائها، ومادَّت العلمَ حَبْلَها وقد ظلَّ ما بينه وبينها مبلولًا؛ فلم ييبس إلا حقبًا معدودات؛ فقد وسعت معارف الدهر كلها، ولا تزال آثار العرب حجة لهم، ولعربيتهم ناهضة لم تقعد بها الأيام.
ألا إن العربية التي نبتت في تلك البيداء قد مدَّت ظلها على العلم كله، وذلك العربي الذي حيَّ حياته الأولى في منقطع من الأرض إذا سافرت فيه عيناه ففي صميم القفر، وإذا وقفنا به فعلى أديم الصخر، قد مشى بلغته مدىً بعيدًا في أمد قريب.
فسلام على ذلك العهد النضير، وسلام على تلك البادية التي نبتت فيها أمة المجد والبيان، وسلام على هذه اللغة الخالدة على فناء الزمان.
البيان (1) لمصطفى لطفي المنفلوطي
قال لي أحد الوزراء ذات يوم: =إني لتأتيني رقاع الشكوى فأكاد أهملها لما تشتمل عليه من الأسباب المنفرة، والكلمات الجارحة، لولا أن الله _ تعالى _ يلهمني نيات كاتبيها وأين يذهبون، ولولا ذلك لكنت من الظالمين+.
ذلك ما يراه القارئ في كثير من المخطوطات التي يخطها اليوم كاتبوها في الصحف، ورقاع الشكوى، والكتب الخاصة، والمؤلفات العامة.
(1) مؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الكاملة الموضوعة251/257.