فهرس الكتاب
هزلٌ في موضع الجد، وجدٌ في موضع الهزل، وإسهاب في مكان الإيجاز، وإيجاز في مكان الإسهاب، وجهل لا يفرق ما بين العتاب والتأنيب، والانتقام والتأديب، والاستعطاف والاستخفاف، وقصور عن إدراك منازل الخطاب ومواقفه بين السوقة والأمراء، والعلماء والجهلاء، حتى إن الكاتب ليقيم في الشوكة يشاكها مناحة لا يقيمها في الفاجعة يفجع بها، ويكتب في الحوادث الصغار ما يعجز عن كتابة مثله في الحوادث الكبار، ويخاطب صديقه بما يخاطب به عدوه، ويناجي أجيره بما يناجي به أميره.
ذهب الناس في معنى البيان مذاهب متشعبة، واختلفوا في شأنه اختلافًا كثيرًا، ولا أدري علام يختلفون وأين يذهبون؟ وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها، ولا تتشعب مسالكها؟
ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس، وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرًا صحيحًا لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة تَيْنِكِ الآفتين فهي العي والحصر.
جَهِل البيانَ قومٌ فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة، ونادر الأساليب، فأغَصُّوا بها صدور كتابتهم، وحشوها في حلوقها حشوًا يقبض أوداجها، ويحبس أنفاسها، فإذا قدّر لك أن تقرأها، وكنت ممن وهبهم الله صدرًا رحبًا، وفؤادًا جلدًا، وجنانًا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه _ قرأت متنًا مشوشًا من متون اللغة، أو كتابًا مضطربًا من كتب المترادفات.
وجَهِلَه آخرون فظنوا أنه الهذر في القول، والتبسط في الحديث واقعًا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يَجْتَرون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقها، حتى تَسِفَّ وتُبتذل، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق، ولا تَطْرُفُ عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.