فهرس الكتاب
يخيل إلي أن الكُتَّاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس، وأن كتابتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج في صدر الإنسان حينما يخلو بنفسه، ويأنس بوحدته؛ فإني لا أكاد أرى بينهم من يحكم وضع فمه على أذن السامع، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه، وخوالج نفسه.
الكلام صلة بين متكلم يفهم، وسامع يفهم، فبمقدار تلك الصلة من القوة والضعف تكون منزلة الكاتب من العلو والإسفاف، فإن أردت أن تكون كاتبًا فاجعل هذه القاعدة في البيان قاعدتك، واحرص الحرص كله على ألا يخدعك منها خادع؛ فتسقط مع الساقطين.
ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلاَّ من ناحية الجهل بأساليب اللغة، ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبًا عربيًا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم، ونعوتهم، وتصوراتهم، وخيالاتهم، ومحاوراتهم، ومساجلاتهم، وقبل أن يعرف كيف كانوا يعاقبون، ويؤنبون، ويعظون، وينصحون، ويَتغزَّلون، وينسبون، ويستعطفون، ويسترحمون، وبأية لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادًا يملأ ما بين جانحتيه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعته على صفحات قرطاسه.
إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ، وابن المقفع، والصاحب، والصابئ، والهمذاني، والخوارزمي، وأمثالهم من كتاب العربية الأولى، ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف والأسفار، فأشعر بما يشعر به المتنقل دفعة واحدة من غرفة محكمة النوافذ، مسبلة الستور إلى جو يسيل قرًا وضرًا، ويترقرق ثلجًا وبردًا؛ ذلك لأني أقرأ لغة لا هيَ بالعربية؛ فاغتبط بها، وهي (1) بالعامية؛ فألهو بأحماضها ومجونها.
(1) هكذا في الأصل ولعل الصواب: ولا هي. (م)