الصفحة 230 من 989

رأيت أكثر الكاتبين في هذا العصر بين رجلين: رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف وما يشاكلها في أساليبها من المؤلفات الحديثة والروايات المترجمة، فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في رُوْع قارئ كتابته أَدْوَنَ مما أخذها، فيدلي آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة، وأكثر تشويهًا، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كرِّ الغداة ومر العشيّ، وطالب قصارى ما يأخذه من أستاذه: نحو اللغة وصرفها، وبديعها وبيانها، ورسمها وإملاؤها، ومترادفها ومتواردها، وغير ذلك من آلاتها وأدواتها.

أما روحها وجوهرها فأكثر أساتذة البيان عنده علماء غير أدباء، وحاجة طالب اللغة إلى أستاذ يفيض عليه روح اللغة، ويوحي إليه بسرِّها، ويفضي له بلبها وجوهرها أكثر من حاجته إلى أستاذ يعلمه وسائلها وآلاتها.

وعندي أن لا فرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان؛ فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه، وسمت آدابه، كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين.

ولا يقذفن في روع القارئ أني أحاول استلاب فضل الفاضلين، أو أني أريد أن أنكر على شعراء الأمة وكتابها ما وهبهم الله من نعمة البيان؛ فما هذا أردت ولا إليه ذهبت، وإنما أقول إن عشرة من الكتاب المجيدين، وخمسة من الشعراء البارعين، قليل في بلد يقولون: إنه مهد اللغة العربية اليوم، ومرعاها الخصيب.

وبعد: فإني لا أدري لك يا طالب البيان العربي سبيلًا إليه إلا مزاولة المنشآت العربية منثورها، ومنظومها، والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج؛ فإن رأيت أنك قد شغفت بها، وكلفت بمعاودتها، والاختلاف إليها فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب؛ فامض لشأنك، ولا تلوِ على شيء مما وراءك تبلغْ من طلبتك ما تريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت