الصفحة 231 من 989

ولا تحدثك نفسك أني أحملك على مطالعة المنشآت العربية لأسلوب تستَرِقه، أو تركيب تختلسه، فإني لا أحب أن تكون سارقًا، أو مختلسًا، فإن فعلت لم يكن دركك دركًا، ولا بيانك بيانًا، وكان كل ما أفدته (1) أن تخرج للناس من البيان صورة مشوهة لا تَنَاسُبَ بين أجزائها، وبردة مرقعة لا تلاؤم بين آثارها عفوًا بلا تكلف ولا تَعَمُّل، وإلا كان شأنك شأن أولئك القوم الذين علقت ذاكرتهم بطائفة من منثور العرب ومنظومها، فقنعوا بها، وظنوا أنهم قد وصلوا من البيان إلى صميمه.

فإذا جدَّ الجد وأرادوا أنفسهم على الإفصاح عن شيء مما تختلج به نفوسهم، رجعوا إلى تلك المحفوظات، ونبشوا دفائنها، فإن وجدوا بينها قالبًا لذلك المعنى الذي يريدونه، انتزعوه من مكانه انتزاعًا، وحشروه في كتابتهم حشرًا، وإلا تبذلوا باستعمال التراكيب الساقطة المشنوعة، أو هجروا تلك المعاني إلى معان أخرى غيرها، لا علاقة بينها وبين سابقاتها ولاحقاتها، فلا بدَّ لهم من إحدى السوأتين: إما فساد المعاني واضطرابها، أو هجنة التراكيب، وبشاعتها.

فاحذر أن تكون واحدًا منهم، أو تصدق ما يقولونه في تلمُّس العذر لأنفسهم من أن اللغة العربية أضيق من أن تتسع لجميع المعاني المستحدثة، وأنهم ما لجؤوا إلى التبذل في التراكيب إلا لاستحالة الترفع فيها؛ فاللغة العربية أرحب صدرًا من أن تضيق بهذه المعاني العامة المطروقة بعدما احتملت من دقائق العلوم والمعارف ما لا قبل لغيرها باحتماله، وقدرت من هواجس الصدور، وخوالج النفوس على ما عيَّت به اللغات القادرات.

وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها، وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها، والتغلغل في أعماقها، واقتناعهم من بحرها بهذه البَلَّةِ التي لا تثلج صدرًا، ولا تشفي أوامًا.

(1) بمعنى: أفاد واستفاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت