الصفحة 290 من 989

خذ مثلًا الأسرة؛ فكل أسرة غالبًا لها أوقات فراغ تقضيه في البيت مجتمعة، وهذا الوقت عند الأمم الراقية من أسعد الأوقات يقضونه إما في حديث ممتع، أو في لعب فنية، أو نوادر طريفة، أو (فوازير) جميلة، فتنتعش بذلك النفس، وتبتهج الحياة، وينسى كل فرد ما لقيه من متاعب عمله خارج البيت؛ فماذا نصنع نحن في مثل هذا الوقت؟ لَمْ نتقِنْ فن اللعب الظريف، ولا النوادر اللطيفة، وإنما أتقنا فن المشادة والغضب لأتفه الأسباب، وتنغمس الحياة بما لا يُحصى ولا يعد من أسباب.

إن أهم ما في الحياة معرفة طرق المعيشة، وكان من الطبيعي _ وقد كانت حياتنا أعز شيء علينا _ أن نبذل جهدًا كبيرًا في البحث عن أسباب سعادتها، والابتهاج بها.

فإذا خرجنا عن الأسرة إلى الحياة خارج البيت وجدنا الرجل يضيع أكثر أوقاته في الجلوس على مقهى ولعب شطرنج أو نرد أو نحو ذلك، أو جلس مع أصدقاء يتحدثون حديثًا سخيفًا في العلاوات والدرجات، وتركوا أسرتهم تضيع الوقت _أيضًا_ في توافه الأمور؛ فلا الرجل يفكر كيف يسعد أهله، ولا المرأة تفكر في كيف تسعد أسرتها، وقل من استفاد من الحياة كما ينبغي، فلا المناظر الطبيعية الجميلة تجذب انتباههم، ولا القراءة اللذيذة الممتعة تسترعي انتباههم، ولا تخصيص وقت للخدمة الاجتماعية العامة تنال حظًا من أوقاتهم؛ فمن أين يفرحون؟ وبأي شيء يبتهجون؟

فالحق أن الحياة رواية في استطاعة الإنسان أن يجعلها رواية ضاحكة مبتهجة، وأن يجعلها مأساة حزينة مكتئبة.

إن أهم سبب في الابتهاج بالحياة هو أن يكون للإنسان ذوق سليم مهذب يعرف كيف يستمتع بالحياة، وكيف يحترم شعور الناس ولا ينغص عليهم، بل ويدخل السرور على أنفسهم؛ فالذوق السليم قادر على استجلاب القلوب، وإدخال السرور على نفس صاحبه ونفس من حوله، وكما قال القائل: =ما تريد نيله بالتخويف والإرهاب يمكنك أن تناله بالابتسام+.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت