تصور أسرة ساد فيها الذوق السليم نرى كل فرد فيها يتجنب جرح إحساس غيره بأي لفظ أو أي عمل يأباه الذوق، بل إن ذوقه يرفعه إلى حد أنه يتخير الكلمة اللطيفة والعمل الظريف الذي يدخل السرور على أفراد أسرته.
إن الذوق السليم في البيت يأبى النزاع، ويأبى حدة الغضب، ويتطلب النظام، وحسن الترتيب، والاستمتاع بجمال الزهور، وجمال النظافة، وجمال كل شيء في البيت، فلسنا مبالغين إذا قلنا: إن رقي الذوق أكثر أثرًا في السعادة من رقي العقل؛ إن الذوق إذا رقي أنف من الأعمال الخسيسة، ومن الأقوال النابية ومن الأفعال السخيفة.
ولو استطعت لجعلت جزءًا كبيرًا من مناهج التعليم في المدارس لتربية الذوق بجانب المناهج المكتظة بتربية العقل.
كل إنسان في الدنيا يضع على عينيه منظارًا حقيقيًا أو مجازيًا، وأكثرنا مع الأسف يلبس منظارًا أسود يريه كلَّ شيء أسود؛ فإذا نظروا إلى الأشياء نظروا إلى معايبها، ولم ينظروا إلى محاسنها، ولم يعجبهم حاضرهم، ورأوا السعادة في غير ما هم فيه ولذلك يكثرون من إذا... ولو... ولعل... وعسى...
ولو حصل كل ما يتمنون ما زادوا شيئًا وما تغيرت حالتهم ما دامت على أعينهم هذه النظارات، ولم يغيروها بنظارات بيضاء ترى الحياة على حقيقتها، وترى الدنيا مملوءةً بالمسرات مع قليل من الأحزان، وكثيرًا من النعم مشوبة بقليل من النقم.
وهذه الأحزان، وهذه النقم قليلة القيمة إذا تسلح الإنسان بالشجاعة في مقاومتها، وفي استطاعة الإنسان أن ينصب في نفسه سرادقًا كبيرًا، إما لمأتم كبير، أو لفرح كبير.
ويخطئ كثير من الناس فيظن أن الابتهاج بالحياة معناه اللذة الحادة الجامحة، ويظنون السعادة في الإفراط في الملاهي على اختلاف ألوانها، إما في سكر مفرط، أو غشيان دار من دور اللهو الخليعة أو نحو ذلك.