وليس هذا ابتهاجًا بالحياة وإنما هو إبادة للحياة، وهذه اللذات الحادة كنار القش تلتهب سريعًا، وتخمد سريعًا، وقد يكون من أضرار التهابها وآلامها ما يساوي أضعاف لحظات لذتها.
إنما نعني بالابتهاج بالحياة موقف النفس إزاء الحياة، والاستمتاع بها استمتاعًا معتدلًا لاإفراط فيه ولا تفريط، نريد بها حالة من أحوال النفس، تهيئ ذوقًا للاستمتاع بمحيطنا استمتاعًا أطول ما يمكن، وأقوى ما يمكن، استمتاعًا يقوِّينا على الجد في الحياة، ويجعلنا أقدر على إسعاد أنفسنا وإسعاد من حولنا.
أما اللذات الحادة الوقتية فلذاتٌ وهميةٌ يتبعها من الألم أكثر مما تستوجب من اللذة.
إن راحة الضمير، ولذة العقل، ولذة الروح، ولذة النفس واللذة التي يشعر لها المرء إنه مصدر للخير يشعه على الناس كما تشع الشمس ضوءها.
كل ذلك ابتهاج بالحياة لا يعادله التمرغ في اللذات الدنيئة الوقتية التي تسبب لذة عارضة تعقبها حسرات دائمة.
الإيمان ينبوع السعادة (1) للأستاذ أحمد أمين
يروى عن عمر بن الخطاب ÷أنه دعا الله أن يرزقه إيمانًا كإيمان العجائز، ولم يقل كإيمان العلماء، لأن إيمان العجائز إيمان عميق، هادئ مطمئن، لا يرقى إليه الظن، ولا يحوم حوله الشك، دينهم شعور عميق بإله بلغ النهاية في الكمال، وعن هذا تصدر أعمالهم، وبلقائه تتعلق آمالهم.
أما العلماء فقد اعتادوا الشك، واعتمدوا على الحجج العقلية، فكان إيمانًا مقلقلًا، يحول بينهم وبين تمام اعتقادهم صعوبة إدراكهم لحقيقته بعقولهم (2) .
ثم إن خير الدين ما أتى عن طريق القلب، والعجائز إيمانهم عن طريق قلوبهم، والعلماء إيمانهم عن طريق عقولهم، والعقل عادة مصدر للشك والتردد، والقلق والحيرة، والقلب لا يعرف شكًا ولا ترددًا.
(1) فيض الخاطر، 9/ 45 _ 48.
(2) لعله يقصد علماء الكلام والفلاسفة ونحوهم، أما العلماء بالله وأمره فهم أكثر الناس يقينًا، وأبعدهم عن الشك والحيرة (م) .