الصفحة 294 من 989

ودعوته إلى النظر في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، واختلاف الألسنة والألوان، أكثر من اعتماده على مقدمات منطقية، وأقيسة جدلية؛ لأن آيات القرآن هذه تخاطب الشعور والقلب، والأقيسة المنطقية تخاطب العقل، وكل إنسان صالح لأن يوجه الحديث إلى قلبه، وليس كل إنسان صالحًا لأن يوجه الحديث إلى عقله.

نعم، إن العلم يخدم الدين، ولكن لا يبعثه؛ فَتَقَدُّمُ الناس في العلم اليوم خفف آلام البشرية من اعتقاد في السحر، ووجود أرواح شريرة تتسلط على البشر وتعذبهم حسبما تشاء، فكل هذه اعتقادات أزالها أو مزقها نور العلم، فخدم الدين بذلك خدمة جليلة، فإذا اجتمع في الناس قلب ينبض بحب الله، وعقل يزيل الخرافات والأوهام عنه، كان ذلك منتهى السعادة، ومنتهى الرقي.

لولا الدين ما كانت السعادة، ولا كانت للحياة قيمة، بل نحن نرى أن آباءنا كانوا أسعد منَّا بإيمانهم، وشبابنا أشقى منهم بشكهم، أو على الأقل بعدم اكتراثهم.

وإن شئت فقارن بين أسرتين: أسرة أسست حياتها على الدين والتزَمَتْ به، وأسرة أضاعت الدين ولم تلتفت إليه، وأَجِبْني: أي الأسرتين أسعد؟

إني أعتقد أن أكبر سبب لشقاء الأسر وجود أبناء وبنات فيها لا يرعون الله في تصرفهم، وإنما يرعون هواهم وملذاتهم؛ فهم يركبون رؤوسهم، ويروُّون رغباتهم، من غير وازع ديني يزعهم، أو نظرة في العواقب تردعهم، فإذا فشا الدين في أسرة فشت فيها السعادة، وخاصة إذا كان دينًا راقيًا تجرد عن الخرافات والأوهام، وتدعَّم بالعلم، وحكم أفرادها دينهم في سلوكهم.

إن أهمَّ ركنٍ في السعادة راحةُ البال، والدين أكبر دعامة لراحة البال؛ إذ يظهر أنه من طبيعة النفس الإنسانية أن تشعر بوجود إله تعتمد عليه، فإذا لم يكن ذلك قلقت واضطربت؛ لأنها خالفت طبيعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت